الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا . . . . "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ ( سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا ( 148 ) )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : ( سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ) ، وَهُمُ الْعَادِلُونَ بِاللَّهِ الْأَوْثَانَ وَالْأَصْنَامَ مِنْ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ ( لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا ) ، يَقُولُ : قَالُوا احْتِجَازًا مِنَ الْإِذْعَانِ لِلْحَقِّ بِالْبَاطِلِ مِنَ الْحُجَّةِ ، لَمَّا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ، وَعَلِمُوا بَاطِلَ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مُقِيمِينَ مِنْ شِرْكِهِمْ ، وَتَحْرِيمِهِمْ مَا كَانُوا يُحَرِّمُونَ مِنَ الْحُرُوثِ وَالْأَنْعَامِ ، عَلَى مَا قَدْ بَيَّنَ تَعَالَى ذِكْرُهُ فِي الْآيَاتِ الْمَاضِيَةِ قَبْلَ ذَلِكَ : وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا ، وَمَا بَعْدَ ذَلِكَ : لَوْ أَرَادَ اللَّهُ مِنَّا الْإِيمَانَ بِهِ ، وَإِفْرَادَهُ بِالْعِبَادَةِ دُونَ الْأَوْثَانِ وَالْآلِهَةِ ، وَتَحْلِيلِ مَا حَرَّمَ مِنَ الْبَحَائِرِ وَالسَّوَائِبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَمْوَالِنَا ، مَا جَعَلْنَا لِلَّهِ شَرِيكًا ، وَلَا جَعَلَ ذَلِكَ لَهُ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلِنَا ، وَلَا حَرَّمْنَا مَا نُحَرِّمُهُ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي نَحْنُ عَلَى تَحْرِيمِهَا مُقِيمُونَ ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَحُولَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ ذَلِكَ ، حَتَّى لَا يَكُونَ لَنَا إِلَى فِعْلِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ سَبِيلٌ : إِمَّا بِأَنْ يَضْطَرَّنَا إِلَى الْإِيمَانِ وَتَرْكِ الشِّرْكِ بِهِ ، وَإِلَى الْقَوْلِ بِتَحْلِيلِ مَا حَرَّمْنَا وَإِمَّا بِأَنْ يَلْطُفَ بِنَا بِتَوْفِيقِهِ ، فَنَصِيرَ إِلَى الْإِقْرَارِ بِوَحْدَانِيَّتِهِ ، وَتَرْكِ عِبَادَةِ مَا دُونَهُ مِنَ الْأَنْدَادِ وَالْأَصْنَامِ ، وَإِلَى تَحْلِيلِ مَا حَرَّمْنَا ، وَلَكِنَّهُ رَضِيَ مِنَّا مَا نَحْنُ عَلَيْهِ مِنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَالْأَصْنَامِ ، وَاتِّخَاذِ الشَّرِيكِ لَهُ فِي الْعِبَادَةِ وَالْأَنْدَادِ ، وَأَرَادَ مَا نُحَرِّمُ مِنَ الْحُرُوثِ وَالْأَنْعَامِ ، فَلَمْ يَحُلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَا نَحْنُ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ .
قَالَ اللَّهُ مُكَذِّبًا لَهُمْ فِي قِيلِهِمْ : " إِنَّ اللَّهَ رَضِيَ مِنَّا مَا نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ ، وَتَحْرِيمِ مَا نُحَرِّمُ " وَرَادًّا عَلَيْهِمْ بَاطِلَ مَا احْتَجُّوا بِهِ مِنْ حُجَّتِهِمْ فِي ذَلِكَ
كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ، يَقُولُ : كَمَا كَذَّبَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ ، يَا مُحَمَّدُ ، مَا جِئْتَهُمْ بِهِ مِنَ الْحَقِّ وَالْبَيَانِ ، كَذَّبَ مَنْ قَبْلَهُمْ مِنْ فَسَقَةِ الْأُمَمِ الَّذِينَ طَغَوْا عَلَى رَبِّهِمْ مَا جَاءَتْهُمْ بِهِ أَنْبِيَاؤُهُمْ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَوَاضِحِ حُجَجِهِ ، وَرَدُّوا عَلَيْهِمْ نَصَائِحَهُمْ ( حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا ) ، يَقُولُ : حَتَّى أَسْخَطُونَا فَغَضِبْنَا عَلَيْهِمْ ، فَأَحْلَلْنَا بِهِمْ بَأْسَنَا فَذَاقُوهُ ، فَعَطِبُوا بِذَوْقِهِمْ إِيَّاهُ ، فَخَابُوا وَخَسِرُوا الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ . يَقُولُ : وَهَؤُلَاءِ الْآخَرُونَ مَسْلُوكٌ بِهِمْ سَبِيلَهُمْ ، إِنْ هُمْ لَمْ يُنِيبُوا فَيُؤْمِنُوا وَيُصَدِّقُوا بِمَا جِئْتَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِمْ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
14129 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ : لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا ، وَقَالَ : كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ، ثُمَّ قَالَ : وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا : " عِبَادَتُنَا الْآلِهَةَ تُقَرِّبُنَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى " ، فَأَخْبَرَهُمُ اللَّهُ أَنَّهَا لَا تُقَرِّبُهُمْ ، وَقَوْلُهُ : وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا ، يَقُولُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ : لَوْ شِئْتُ لَجَمَعْتُهُمْ عَلَى الْهُدَى أَجْمَعِينَ .
14130 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : ( وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ ) ، قَالَ : قَوْلُ قُرَيْشٍ يَعْنِي : إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذِهِ الْبَحِيرَةَ وَالسَّائِبَةَ .
14131 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : ( وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ ) ، قَوْلُ قُرَيْشٍ بِغَيْرِ يَقِينٍ : إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذِهِ الْبَحِيرَةَ وَالسَّائِبَةَ .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَمَا بُرْهَانُكَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا كَذَّبَ مِنْ قِيلِ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ قَوْلَهُمْ : " رَضِيَ اللَّهُ مِنَّا عِبَادَةَ الْأَوْثَانِ ، وَأَرَادَ مِنَّا تَحْرِيمَ مَا حَرَّمْنَا مِنَ الْحُرُوثِ وَالْأَنْعَامِ " ، دُونَ أَنْ يَكُونَ تَكْذِيبُهُ إِيَّاهُمْ كَانَ عَلَى قَوْلِهِمْ : لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ ، وَعَلَى وَصْفِهِمْ إِيَّاهُ بِأَنَّهُ قَدْ شَاءَ شِرْكَهُمْ وَشِرْكَ آبَائِهِمْ ، وَتَحْرِيمَهُمْ مَا كَانُوا يُحَرِّمُونَ ؟
قِيلَ لَهُ : الدَّلَالَةُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ : كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ، فَأَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ سَلَكُوا فِي تَكْذِيبِهِمْ نَبِيَّهُمْ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا آتَاهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مِنَ النَّهْيِ عَنْ عِبَادَةِ شَيْءٍ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ ، وَتَحْرِيمِ غَيْرِ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وَعَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ مَسْلَكَ أَسْلَافِهِمْ مِنَ الْأُمَمُ الْخَالِيَةِ الْمُكَذِّبَةِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ . وَالتَّكْذِيبُ مِنْهُمْ إِنَّمَا كَانَ لِمُكَذَّبٍ ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ خَبَرًا مِنَ اللَّهِ عَنْ كَذِبِهِمْ فِي قِيلِهِمْ : لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا ، لَقَالَ : " كَذَلِكَ كَذَبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ " ، بِتَخْفِيفِ " الذَّالِ " ، وَكَانَ يَنْسِبُهُمْ فِي قِيلِهِمْ ذَلِكَ إِلَى الْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ ، لَا إِلَى التَّكْذِيبِ مَعَ عِلَلٍ كَثِيرَةٍ يَطُولُ بِذِكْرِهَا الْكِتَابُ ، وَفِيمَا ذَكَرْنَا كِفَايَةٌ لِمَنْ وُفِّقَ لِفَهْمِهِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ ( قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلا تَخْرُصُونَ ( 148 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ ، يَا مُحَمَّدُ ، لِهَؤُلَاءِ الْعَادِلِينَ بِرَبِّهِمُ الْأَوْثَانَ وَالْأَصْنَامَ ، الْمُحَرِّمِينَ مَا هُمْ لَهُ مُحَرِّمُونَ مِنَ الْحُرُوثِ وَالْأَنْعَامِ ، الْقَائِلِينَ : لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ ، وَلَكِنَّهُ رَضِيَ مِنَّا مَا نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ وَتَحْرِيمِ مَا نُحَرِّمُ : " هَلْ عِنْدَكُمْ " ،
بِدَعْوَاكُمْ مَا تَدَّعُونَ عَلَى اللَّهِ مِنْ رِضَاهُ بِإِشْرَاكِكُمْ فِي عِبَادَتِهِ مَا تُشْرِكُونَ ، وَتَحْرِيمِكُمْ مِنْ أَمْوَالِكُمْ مَا تُحَرِّمُونَ عِلْمُ يَقِينٍ مِنْ خَبَرِ مَنْ يَقْطَعُ خَبَرُهُ الْعُذْرَ ، أَوْ حُجَّةٌ تُوجِبُ لَنَا الْيَقِينَ ، مِنَ الْعِلْمِ " فَتُخْرِجُوهُ لَنَا " ، يَقُولُ : فَتُظْهِرُوا ذَلِكَ لَنَا وَتُبَيِّنُوهُ ، كَمَا بَيَّنَّا لَكُمْ مَوَاضِعَ خَطَأِ قَوْلِكُمْ وَفِعْلِكُمْ ، وَتَنَاقُضَ ذَلِكَ وَاسْتِحَالَتَهُ فِي الْمَعْقُولِ وَالْمَسْمُوعِ ( إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ) ، يَقُولُ لَهُ : قُلْ لَهُمْ : إِنْ تَقُولُونَ مَا تَقُولُونَ ، أَيُّهَا الْمُشْرِكُونَ ، وَتَعْبُدُونَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَالْأَصْنَامِ مَا تَعْبُدُونَ ، وَتُحَرِّمُونَ مِنَ الْحُرُوثِ وَالْأَنْعَامِ مَا تُحَرِّمُونَ ، إِلَّا ظَنًّا وَحُسْبَانًا أَنَّهُ حَقٌّ ، وَأَنَّكُمْ عَلَى حَقٍّ ، وَهُوَ بَاطِلٌ ، وَأَنْتُمْ عَلَى بَاطِلٍ ( وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ ) ، يَقُولُ : " وَإِنْ أَنْتُمْ " ، وَمَا أَنْتُمْ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ " إِلَّا تَخْرُصُونَ " ، يَقُولُ : إِلَّا تَتَقَوَّلُونَ الْبَاطِلَ عَلَى اللَّهِ ، ظَنًّا بِغَيْرِ يَقِينِ عِلْمٍ وَلَا بُرْهَانٍ وَاضِحٍ .