حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تفسير الطبري

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ . . . . "

) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَلَقَدْ وَطَّأْنَا لَكُمْ ، أَيُّهَا النَّاسُ ، فِي الْأَرْضِ ، وَجَعَلْنَاهَا لَكُمْ قَرَارًا تَسْتَقِرُّونَ فِيهَا ، وَمِهَادًا تَمْتَهِدُونَهَا ، وَفِرَاشًا تَفْتَرِشُونَهَا ( وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ ، تَعِيشُونَ بِهَا أَيَّامَ حَيَاتِكُمْ ، مِنْ مَطَاعِمَ وَمَشَارِبَ ، نِعْمَةً مِنِّي عَلَيْكُمْ ، وَإِحْسَانًا مِنِّي إِلَيْكُمْ ( قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ ) ، يَقُولُ : وَأَنْتُمْ قَلِيلٌ شُكْرُكُمْ عَلَى هَذِهِ النِّعَمِ الَّتِي أَنْعَمْتُهَا عَلَيْكُمْ لِعِبَادَتِكُمْ غَيْرِي ، وَاتِّخَاذِكُمْ إِلَهًا سِوَايَ . وَالْمَعَايِشُ : جَمْعُ مَعِيشَةٍ . وَاخْتَلَفَتِ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَتِهَا .

فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قَرَأَةِ الْأَمْصَارِ : ( مَعَايِشَ ) بِغَيْرِ هَمْزٍ . وَقَرَأَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجُ : مَعَائِشَ بِالْهَمْزِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا : ( مَعَايِشَ ) بِغَيْرِ هَمْز ، لِأَنَّهَا مَفَاعِلُ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ عِشْتَ تَعِيشُ ، فَالْمِيمُ فِيهَا زَائِدَةٌ ، وَالْيَاءُ فِي الْحُكْمِ مُتَحَرِّكَةٌ ، لِأَنَّ وَاحِدَهَا مَفْعَلَةٌ ، مَعْيَشَةٌ ، مُتَحَرِّكَةُ الْيَاءِ ، نُقِلَتْ حَرَكَةُ الْيَاءِ مِنْهَا إِلَى الْعَيْنِ فِي وَاحِدِهَا .

فَلَمَّا جُمِعَتْ ، رُدَّتْ حَرَكَتُهَا إِلَيْهَا لِسُكُونِ مَا قَبِلَهَا وَتَحَرُّكِهَا . وَكَذَلِكَ تَفْعَلُ الْعَرَبُ بِالْيَاءِ وَالْوَاوِ إِذَا سَكَنَ مَا قَبِلَهُمَا وَتَحَرَّكَتَا ، فِي نَظَائِرِ مَا وَصَفْنَا مِنَ الْجَمْعِ الَّذِي يَأْتِي عَلَى مِثَالِ مَفَاعِلَ ، وَذَلِكَ مُخَالِفٌ لِمَا جَاءَ مِنَ الْجَمْعِ عَلَى مِثَالِ فَعَائِلَ الَّتِي تَكُونُ الْيَاءُ فِيهَا زَائِدَةً لَيْسَتْ بِأَصْلٍ . فَإِنَّ مَا جَاءَ مِنَ الْجَمْعِ عَلَى هَذَا الْمِثَالِ ، فَالْعَرَبُ تَهْمِزُهُ ، كَقَوْلِهِمْ : هَذِهِ مَدَائِنُ وَ صَحَائِفُ وَنَظَائِرُهُمَا ، لِأَنَّ مَدَائِنَ جَمْعُ مَدِينَةٍ ، وَ الْمَدِينَةُ ، فَعِيْلَةٌ مِنْ قَوْلِهِمْ : مَدَنْتُ الْمَدِينَةَ ، وَكَذَلِكَ ، صَحَائِفُ جَمْعُ صَحِيفَةٍ ، وَ الصَّحِيفَةُ ، فَعَيْلَةٌ مِنْ قَوْلِكَ : صَحَّفْتُ الصَّحِيفَةَ ، فَالْيَاءُ فِي وَاحِدِهَا زَائِدَةٌ سَاكِنَةٌ ، فَإِذَا جُمِعَتْ هُمِزَتْ ، لِخِلَافِهَا فِي الْجَمْعِ الْيَاءَ الَّتِي كَانَتْ فِي وَاحِدِهَا ، وَذَلِكَ أَنَّهَا كَانَتْ فِي وَاحِدِهَا سَاكِنَةٌ ، وَهِيَ فِي الْجَمْعِ مُتَحَرِّكَةٌ .

وَلَوْ جَعَلْتَ مَدِينَةً مَفْعَلَةً مِنْ : دَانَ يُدِينُ ، وَجَمَعْتَ عَلَى مَفَاعِلَ ، كَانَ الْفَصِيحُ تَرْكَ الْهَمْزِ فِيهَا . وَتَحْرِيكَ الْيَاءِ . وَرُبَّمَا هَمَزَتِ الْعَرَبُ جَمْعَ مَفْعَلَةٍ فِي ذَوَاتِ الْيَاءِ وَالْوَاوِ وَإِنْ كَانَ الْفَصِيحُ مِنْ كَلَامِهَا تَرَكَ الْهَمْزِ فِيهَا .

إِذَا جَاءَتْ عَلَى مَفَاعِلَ تَشْبِيهًا مِنْهُمْ جَمْعَهَا بِجَمْعِ فَعِيْلَةٍ ، كَمَا تُشَبِّهُ مَفْعَلًا بِفَعِيلٍ فَتَقُولُ : مَسِيلُ الْمَاءِ ، مِنْ : سَالَ يَسِيلُ ، ثُمَّ تَجْمَعُهَا جَمْعَ فَعِيلٍ ، فَتَقُولُ : هِيَ أَمْسِلَةٌ ، فِي الْجَمْعِ ، تَشْبِيهًا مِنْهُمْ لَهَا بِجَمْعِ بَعِيرٍ وَهُوَ فَعِيلٌ ، إِذْ تَجْمَعُهُ أَبْعِرَةً . وَكَذَلِكَ يُجْمَعُ الْمَصِيرُ وَهُوَ مَفْعِلٌ ، مُصْرَانٌ تَشْبِيهًا لَهُ بِجَمْعِ : بَعِيرٍ وَهُوَ فَعِيلٌ ، إِذْ تَجْمَعُهُ بُعْرَانٌ ، وَعَلَى هَذَا هَمْزَ الْأَعْرَجُ مَعَايِشَ . وَذَلِكَ لَيْسَ بِالْفَصِيحِ فِي كَلَامِهَا ، وَأَوْلَى مَا قُرِئَ بِهِ كِتَابُ اللَّهِ مِنَ الْأَلْسُنِ أَفْصَحُهَا وَأَعْرِفُهَا ، دُونَ أَنْكَرِهَا وَأَشَذِّهَا .

القراءات1 آية
سورة الأعراف آية 101 قراءة

﴿ وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ

  • البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة من طريقي الشاطبية والدرة

    المص سكت أبو جعفر على ألف ولام وميم وص سكتة خفيفة بلا تنفس ، وظاهر أن السكت على لام يلزم منه إظهارها وعدم إدغامها في ميم . والباقون بترك السكت في ذلك كله . تَذَكَّرُونَ قرأ الشامي بياء قبل التاء مع تخفيف الذال ، وقرأ الأخوان وخلف وحفص بحذف الياء وتخفيف الذال ، والباقون بحذف الياء وتشديد الذال . بَأْسُنَا معا ، قَائِلُونَ ، إِلَيْهِمْ ، عَلَيْهِمْ ، غَائِبِينَ ، وَمَنْ خَفَّتْ ، خَسِرُوا ، فِي الأَرْضِ ، خَيْرٌ مِنْهُ ، صِرَاطَكَ ، أَيْدِيهِمْ ، وَمِنْ خَلْفِهِمْ ، جلي . لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا قرأ أبو جعفر بضم التاء وصلا ، والباقون بكسرها كذلك . أَنْظِرْنِي إِلَى أجمع العشرة على إسكان يائه . مَذْءُومًا لا توسط فيه ولا مد لورش لوقوع الهمز بعد ساكن صحيح كقرآن ، ولحمزة فيه النقل عند الوقف فقط . شِئْتُمَا أبدل همزه في الحالين أبو جعفر والسوسي ، وعند الوقف حمزة . سَوْآتِهِمَا الثلاثة و سَوْآتِكُمْ اجتمع فيها لورش اللين وهو الواو والبدل فأما البدل فورش على أصله من إجراء الأوجه الثلاثة فيه ، وأما اللين فقد اختلف فيه عنه ، فمن العلماء من استثناه من حكم اللين ولم يجز فيه إلا القصر فألحقه بحرف اللين الذي لا همز بعده . ومنهم من ألحقه بغيره من أمثاله فأجرى فيه التوسط والإشباع . وعلى هذا يكون لورش في الكلمة تسعة أوجه حاصلة من ضرب الثلاثة التي في الواو في الثلاثة التي في البدل ، ولكن الذي حققه إمام الفن ابن الجزري واستصوبه أن الخلاف في الواو دائر بين القصر والتوسط فقط ولا إشباع فيها ، وذلك لأن من مذهبه الإشباع في اللين يستثني واو سوءات فيقصرها ، وأن ورشا ليس له إلا أربعة أوجه فقط . وهي قصر الواو وعليه في البدل الثلاثة ثم توسط الواو والبدل معا . ويمتنع توسط الواو مع مد البدل لأن من مذهبه التوسط في الواو ، ليس له في البدل إلا التوسط فقط وقد نظم ابن الجزري هذه الأوجه الأربعة في بيت واحد فقال : وسوءات قصر الواو والهمز ثلثا، ووسطهما فالكل أربعة فادرِ ولحمزة في الوقف عليها وجهان النقل والإدغام لأصالة الواو . تُخْرَجُونَ

موقع حَـدِيث