الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ . . . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنْ قِيلِهِ لِإِبْلِيسَ ، إِذْ عَصَاهُ فَلَمْ يَسْجُدْ لِآدَمَ إِذْ أَمَرَهُ بِالسُّجُودِ لَهُ . يَقُولُ : قَالَ اللَّهُ لِإِبْلِيسَ : ( مَا مَنَعَكَ ) ، أَيُّ شَيْءٍ مَنَعَكَ ( أَلَّا تَسْجُدَ ) ، أَنْ تَدَعَ السُّجُودَ لِآدَمَ ( إِذْ أَمَرْتُكَ ) ، أَنْ تَسْجُدَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ ، يَقُولُ : قَالَ إِبْلِيسُ : أَنَا خَيْرٌ مِنْ آدَمَ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : أَخْبِرْنَا عَنْ إِبْلِيسَ ، أَلَحِقَتْهُ الْمَلَامَةُ عَلَى السُّجُودِ ، أَمْ عَلَى تَرْكِ السُّجُودِ؟ فَإِنْ تَكُنْ لَحِقَتْهُ الْمَلَامَةُ عَلَى تَرْكِ السُّجُودِ ، فَكَيْفَ قِيلَ لَهُ : مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ؟ وَإِنْ كَانَ النَّكِيرُ عَلَى السُّجُودِ ، فَذَلِكَ خِلَافُ مَا جَاءَ بِهِ التَّنْزِيلُ فِي سَائِرِ الْقُرْآنِ ، وَخِلَافُ مَا يَعْرِفُهُ الْمُسْلِمُونَ! قِيلَ : إِنَّ الْمَلَامَةَ لَمْ تَلْحَقْ إِبْلِيسَ إِلَّا عَلَى مَعْصِيَتِهِ رَبَّهُ بِتَرْكِهِ السُّجُودَ لِآدَمَ إِذْ أَمَرَهُ بِالسُّجُودِ لَهُ .
غَيْرُ أَنَّ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ، بَيَّنَ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ اخْتِلَافًا ، أَبْدَأُ بِذِكْرِ مَا قَالُوا ، ثُمَّ أَذْكُرُ الَّذِي هُوَ أَوْلَى ذَلِكَ بِالصَّوَابِ . فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّيِ الْبَصْرَةِ : مَعْنَى ذَلِكَ : مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ وَ لَا هَاهُنَا زَائِدَةٌ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : أَبَى جُودُهُ لَا البُخْلَ ، وَاسْتَعْجَلَتْ بِهِ نَعَمْ ، مِنْ فَتًى لَا يَمْنَعُ الْجُوعَ قَاتِلُهْ وَقَالَ : فَسَّرَتْهُ الْعَرَبُ : أَبَى جُودَهُ الْبُخْلُ ، وَجَعَلُوا لَا زَائِدَةً حَشْوًا هَاهُنَا ، وَصَلُوا بِهَا الْكَلَامَ . قَالَ : وَزَعَمَ يُونُسُ أَنَّ أَبَا عَمْرٍو كَانَ يَجُرُّ الْبُخْلَ ، وَيَجْعَلُ لَا مُضَافَةً إِلَيْهِ ، أَرَادَ : أَبَى جُودَهُ لَا الَّتِي هِيَ لِلْبُخْلِ ، وَيَجْعَلُ لَا مُضَافَةً ، لِأَنَّ لَا قَدْ تَكُونُ لِلْجُودِ وَالْبُخْلِ ، لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ لَهُ : امْنَعِ الْحَقَّ وَلَا تُعْطِ الْمِسْكِينَ فَقَالَ : لَا كَانَ هَذَا جُودًا مِنْهُ .
وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّيِ الْكُوفَةِ نَحْوَ الْقَوْلِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنِ الْبَصْرِيِّينَ فِي مَعْنَاهُ وَتَأْوِيلِهِ ، غَيْرَ أَنَّهُ زَعَمَ أَنَّ الْعِلَّةَ فِي دُخُولِ لَا فِي قَوْلِهِ : ( أَلَّا تَسْجُدَ ) ، أَنَّ فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ جَحْدًا يَعْنِي بِذَلِكَ قَوْلَهُ : ( لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ) ، فَإِنَّ الْعَرَبَ رُبَّمَا أَعَادُوا فِي الْكَلَامِ الَّذِي فِيهِ جَحْدٌ ، الْجَحْدَ ، كَالِاسْتِيثَاقِ وَالتَّوْكِيدِ لَهُ . قَالَ : وَذَلِكَ كَقَوْلِهِمْ : مَا إِنْ رَأَيْنَا مِثْلَهُنَّ لِمَعْشَرٍ سُودِ الرُّؤُوسِ ، فَوَالِجٌ وَفُيُولُ فَأَعَادَ عَلَى الْجَحْدِ الَّذِي هُوَ مَا جَحْدًا ، وَهُوَ قَوْلُهُ إِنْ ، فَجَمْعُهُمَا لِلتَّوْكِيدِ . وَقَالَ آخَرٌ مِنْهُمْ : لَيْسَتْ لَا ، بِحَشْوٍ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَلَا صِلَةٍ ، وَلَكِنَّ الْمَنْعَ هَاهُنَا بِمَعْنَى الْقَوْلِ ، وَإِنَّمَا تَأْوِيلُ الْكَلَامِ : مَنْ قَالَ لَكَ لَا تَسْجُدْ إِذْ أَمَرْتُكَ بِالسُّجُودِ وَلَكِنْ دَخَلَ فِي الْكَلَامِ أَنْ ، إِذْ كَانَ الْمَنْعُ بِمَعْنَى الْقَوْلِ ، لَا فِي لَفْظِهِ ، كَمَا يُفْعَلُ ذَلِكَ فِي سَائِرِ الْكَلَامِ الَّذِي يُضَارِعُ الْقَوْلَ ، وَهُوَ لَهُ فِي اللَّفْظِ مُخَالِفٌ ، كَقَوْلِهِمْ : نَادَيْتُ أَنْ لَا تَقُمْ ، وَ حَلَفَتْ أَنْ لَا تَجْلِسْ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْكَلَامِ .
وَقَالَ : خَفَضَ الْبُخْلَ مَنْ رَوَى : أَبَى جُودَهُ لَا الْبُخْلِ ، بِمَعْنَى : كَلِمَةِ الْبُخْلِ ، لِأَنَّ لَا هِيَ كَلِمَةُ الْبُخْلِ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : كَلِمَةَ الْبُخْلِ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَى الْمَنْعِ ، الْحَوْلُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَمَا يُرِيدُهُ . قَالَ : وَالْمَمْنُوعُ مُضْطَرٌّ بِهِ إِلَى خِلَافِ مَا مَنَعَ مِنْهُ ، كَالْمَمْنُوعِ مِنَ الْقِيَامِ وَهُوَ يُرِيدُهُ ، فَهُوَ مُضْطَرٌّ مِنَ الْفِعْلِ إِلَى مَا كَانَ خِلَافًا لِلْقِيَامِ ، إِذْ كَانَ الْمُخْتَارُ لِلْفِعْلِ هُوَ الَّذِي لَهُ السَّبِيلُ إِلَيْهِ وَإِلَى خِلَافِهِ ، فَيُوثِرُ أَحَدَهُمَا عَلَى الْآخَرِ فَيَفْعَلُهُ .
قَالَ : فَلَمَّا كَانَتْ صِفَةُ الْمَنْعِ ذَلِكَ ، فَخُوطِبَ إِبْلِيسُ بِالْمَنْعِ فَقِيلَ لَهُ : مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ ، كَانَ مَعْنَاهُ كَأَنَّهُ قِيلَ لَهُ : أَيُّ شَيْءٍ اضْطَرَّكَ إِلَى أَنْ لَا تَسْجُدَ؟ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ عِنْدِي مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ فِي الْكَلَامِ مَحْذُوفًا قَدْ كَفَى دَلِيلُ الظَّاهِرِ مِنْهُ ، وَهُوَ أَنَّ مَعْنَاهُ : مَا مَنَعَكَ مِنَ السُّجُودِ فَأَحْوَجَكَ أَنْ لَا تَسْجُدَ فَتَرَكَ ذِكْرَ أَحْوَجَكَ ، اسْتِغْنَاءً بِمَعْرِفَةِ السَّامِعِينَ قَوْلَهُ : إِلا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ، أَنَّ ذَلِكَ مَعْنَى الْكَلَامِ ، مِنْ ذِكْرِهُ . ثُمَّ عَمِلَ قَوْلُهُ : ( مَا مَنَعَكَ ) ، فِي أَنْ مَا كَانَ عَامِلًا فِيهِ قَبْلَ أَحْوَجَكَ لَوْ ظَهَرَ ، إِذْ كَانَ قَدْ نَابَ عَنْهُ . وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّ هَذَا الْقَوْلَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ ، لِمَا قَدْ مَضَى مِنْ دَلَالَتِنَا قَبْلُ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ فِي كِتَابِ اللَّهِ شَيْءٌ لَا مَعْنَى لَهُ ، وَأَنْ لِكُلِّ كَلِمَةٍ مَعْنًى صَحِيحًا ، فَتَبَيَّنَ بِذَلِكَ فَسَادُ قَوْلِ مَنْ قَالَ : لَا فِي الْكَلَامِ حَشْوٌ لَا مَعْنَى لَهَا .
وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ : مَعْنَى الْمَنْعِ هَاهُنَا الْقَوْلُ ، فَلِذَلِكَ دَخَلَتْ لَا مَعَ أَنْ فَإِنَّ الْمَنْعَ وَإِنْ كَانَ قَدْ يَكُونُ قَوْلًا وَفِعْلًا فَلَيْسَ الْمَعْرُوفُ فِي النَّاسِ اسْتِعْمَالُ الْمَنْعِ ، فِي الْأَمْرِ بِتَرْكِ الشَّيْءِ ، لِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِتَرْكِ الْفِعْلِ إِذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ فَفَعَلَهُ ، لَا يُقَالُ : فَعَلَهُ ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْ فِعْلِهِ ، إِلَّا عَلَى اسْتِكْرَاهٍ لِلْكَلَامِ . وَذَلِكَ أَنَّ الْمَنْعَ مِنَ الْفِعْلِ حَوْلٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ ، فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ - وَهُوَ مَحُولٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ - فَاعِلًا لَهُ ، لِأَنَّهُ إِنْ جَازَ ذَلِكَ ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَحُولًا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ لَا مَحُولًا وَمَمْنُوعًا لَا مَمْنُوعًا . وَبَعْدُ ، فَإِنَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَأْتَمِرْ لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ كِبَرًا ، فَكَيْفَ كَانَ يَأْتَمِرُ لِغَيْرِهِ فِي تَرْكِ أَمْرِ اللَّهِ وَطَاعَتِهِ بِتَرْكِ السُّجُودِ لِآدَمَ ، فَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لَهُ : أَيُّ شَيْءٍ قَالَ لَكَ : لَا تَسْجُدْ لِآدَمَ إِذْ أَمَرْتُكَ بِالسُّجُودِ لَهُ؟ وَلَكِنَّ مَعْنَاهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مَا قُلْتُ : مَا مَنَعَكَ مِنَ السُّجُودِ لَهُ فَأَحْوَجَكَ ، أَوْ : فَأَخْرَجَكَ ، أَوْ : فَاضْطَرَّكَ إِلَى أَنْ لَا تَسْجُدَ لَهُ ، عَلَى مَا بَيَّنْتُ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ، فَإِنَّهُ خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ جَوَابِ إِبْلِيسَ إِيَّاهُ إِذْ سَأَلَهُ : مَا الَّذِي مَنَعَهُ مِنَ السُّجُودِ لِآدَمَ ، فَأَحْوَجَهُ إِلَى أَنْ لَا يَسْجُدَ لَهُ ، وَاضْطَرَّهُ إِلَى خِلَافِهِ أَمَرَهُ بِهِ ، وَتَرْكِهِ طَاعَتَهُ أَنَّ الْمَانِعَ كَانَ لَهُ مِنَ السُّجُودِ ، وَالدَّاعِيَ لَهُ إِلَى خِلَافِهِ أَمْرَ رَبِّهِ فِي ذَلِكَ : أَنَّهُ أَشَدُّ مِنْهُ أَيْدًا ، وَأَقْوَى مِنْهُ قُوَّةً ، وَأَفْضَلُ مِنْهُ فَضْلًا لِفَضْلِ الْجِنْسِ الَّذِي مِنْهُ خُلِقَ ، وَهُوَ النَّارُ ، عَلَى الَّذِي خُلِقَ مِنْهُ آدَمُ ، وَهُوَ الطِّينُ . فَجَهِلَ عَدُوُّ اللَّهِ وَجْهَ الْحَقِّ ، وَأَخْطَأَ سَبِيلَ الصَّوَابِ . إِذْ كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ مِنْ جَوْهَرِ النَّارِ الْخِفَّةَ وَالطَّيْشَ وَالِاضْطِرَابَ وَالِارْتِفَاعَ عُلُوًّا ، وَالَّذِي فِي جَوْهَرِهَا مِنْ ذَلِكَ هُوَ الَّذِي حَمَلَ الْخَبِيثَ بَعْدَ الشَّقَاءِ الَّذِي سَبَقَ لَهُ مِنَ اللَّهِ فِي الْكِتَابِ السَّابِقِ ، عَلَى الِاسْتِكْبَارِ عَنِ السُّجُودِ لِآدَمَ ، وَالِاسْتِخْفَافِ بِأَمْرِ رَبِّهِ ، فَأَورَثَهُ الْعَطَبَ وَالْهَلَاكَ .
وَكَانَ مَعْلُومًا أَنَّ مِنْ جَوْهَرِ الطِّينِ الرَّزَانَةَ وَالْأَنَاةَ وَالْحِلْمَ وَالْحَيَاءَ وَالتَّثَبُّتَ ، وَذَلِكَ الَّذِي هُوَ فِي جَوْهَرِهِ مِنْ ذَلِكَ ، كَانَ الدَّاعِيَ لِآدَمَ بَعْدَ السَّعَادَةِ الَّتِي كَانَتْ سَبَقَتْ لَهُ مِنْ رَبِّهِ فِي الْكِتَابِ السَّابِقِ ، إِلَى التَّوْبَةِ مِنْ خَطِيئَتِهِ ، وَمَسْأَلَتِهِ رَبَّهُ الْعَفْوَ عَنْهُ وَالْمَغْفِرَةَ . وَلِذَلِكَ كَانَ الْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ يَقُولَانِ : أَوَّلُ مَنْ قَاسَ إِبْلِيسُ ، يَعْنِيَانِ بِذَلِكَ : الْقِيَاسَ الْخَطَأَ ، وَهُوَ هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا مِنْ خَطَأِ قَوْلِهِ ، وَبُعْدِهِ مِنْ إِصَابَةِ الْحَقِّ ، فِي الْفَضْلِ الَّذِي خَصَّ اللَّهُ بِهِ آدَمَ عَلَى سَائِرِ خَلْقِهِ : مِنْ خَلْقِهِ إِيَّاهُ بِيَدِهِ ، وَنَفْخِهِ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ ، وَإِسْجَادِهِ لَهُ الْمَلَائِكَةَ ، وَتَعْلِيمِهِ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ ، مَعَ سَائِرِ مَا خَصَّهُ بِهِ مِنْ كَرَامَتِهِ . فَضَرَبَ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ الْجَاهِلُ صَفْحًا ، وَقَصْدَ إِلَى الِاحْتِجَاجِ بِأَنَّهُ خُلِقَ مِنْ نَارٍ وَخُلِقَ آدَمُ مِنْ طِينٍ!! وَهُوَ فِي ذَلِكَ أَيْضًا لَهُ غَيْرُ كُفْءٍ ، لَوْ لَمْ يَكُنْ لِآدَمَ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ تَكْرِمَةُ شَيْءٍ غَيْرِهِ ، فَكَيْفَ وَالَّذِي خُصَّ بِهِ مِنْ كَرَامَتِهِ يَكْثُرُ تَعْدَادُهُ ، وَيُمَلُّ إِحْصَاؤُهُ؟ 14355 - حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مَالِكٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ الطَّائِفِيُّ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ : أَوَّلُ مَنْ قَاسَ إِبْلِيسُ ، وَمَا عُبِدَتِ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ إِلَّا بِالْمَقَايِيسِ .
14356 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ، عَنِ ابْنِ شَوْذَبٍ ، عَنْ مَطَرٍ الْوَرَّاقِ ، عَنِ الْحَسَنِ قَوْلُهُ : خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ، قَالَ : قَاسَ إِبْلِيسُ وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ قَاسَ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 14357 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عِمَارَةَ ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ قَالَ لِلْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ إِبْلِيسَ خَاصَّةً ، دُونَ الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ فِي السَّمَاوَاتِ : اسْجُدُوا لِآدَمَ ، فَسَجَدُوا كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ ، لِمَا كَانَ حَدَّثَ نَفْسَهُ ، مِنْ كِبْرِهِ وَاغْتِرَارِهِ ، فَقَالَ : لَا أَسْجُدُ لَهُ ، وَأَنَا خَيْرٌ مِنْهُ ، وَأَكْبَرُ سِنًّا ، وَأَقْوَى خَلْقًا ، خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ! يَقُولُ : إِنَّ النَّارَ أَقْوَى مِنَ الطِّينِ .
14358 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ ، حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلُهُ : خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ ، قَالَ : ثُمَّ جَعَلَ ذُرِّيَّتَهُ مِنْ مَاءٍ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ عَدُوُّ اللَّهِ لَيْسَ لِمَا سَأَلَهُ عَنْهُ بِجَوَابٍ . وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ قَالَ لَهُ : مَا مَنَعَكَ مِنَ السُّجُودِ؟ فَلَمْ يُجِبْ بِأَنَّ الَّذِي مَنَعَهُ مِنَ السُّجُودِ أَنَّهُ خُلِقَ مِنْ نَارٍ وَخُلِقَ آدَمُ مِنْ طِينٍ ، وَلَكِنَّهُ ابْتَدَأَ خَبَرًا عَنْ نَفْسِهِ ، فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى مَوْضِعِ الْجَوَابِ فَقَالَ : أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ