الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا . . . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَنَادَى أَهْلُ الْجَنَّةِ أَهْلَ النَّارِ بَعْدَ دُخُولِهِمُوهَا : يَا أَهْلَ النَّارِ ، قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فِي الدُّنْيَا عَلَى أَلْسُنِ رُسُلِهِ ، مِنَ الثَّوَابِ عَلَى الْإِيمَانِ بِهِ وَبِهِمْ ، وَعَلَى طَاعَتِهِ ، فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَنَا رَبُّكُمْ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ عَلَى الْكَفْرِ بِهِ وَعَلَى مَعَاصِيهِ مِنَ الْعِقَابِ؟ فَأَجَابَهُمْ أَهْلُ النَّارِ : بِأَنْ نَعَمْ ، قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَ رَبُّنَا حَقًّا ، كَالَّذِي : - 14670 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ ، قَالَ : وَجَدَ أَهْلُ الْجَنَّةِ مَا وُعِدُوا مِنْ ثَوَابٍ ، وَأَهْلُ النَّارِ مَا وُعِدُوا مِنْ عِقَابٍ . 14671 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ ، حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ ، حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَوْلُهُ : وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ وَعَدَ أَهْلَ الْجَنَّةِ النَّعِيمَ وَالْكَرَامَةَ وَكُلَّ خَيْرٍ عَلِمَهُ النَّاسُ أَوْ لَمْ يَعْلَمُوهُ ، وَوَعَدَ أَهْلَ النَّارِ كُلَّ خِزْيٍ وَعَذَابٍ عَلِمَهُ النَّاسُ أَوْ لَمْ يَعْلَمُوهُ ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ : ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ ﴾ ، [ سُورَةُ ص : 58 ] . قَالَ : فَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ قَالُوا : نَعَمْ .
يَقُولُ : مِنَ الْخِزْيِ وَالْهَوَانِ وَالْعَذَابِ . قَالَ أَهْلُ الْجَنَّةِ : فَإِنَّا قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا مِنَ النَّعِيمِ وَالْكَرَامَةِ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ . وَاخْتَلَفَتِ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ : قَالُوا نَعَمْ .
فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قَرَأَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ : قَالُوا نَعَمْ ، بِفَتْحِ الْعَيْنِ مِنْ نَعَمْ . وَرُوِيَ عَنْ بَعْضِ الْكُوفِيِّينَ أَنَّهُ قَرَأَ : قَالُوا نَعِمْ بِكَسْرِ الْعَيْنِ ، وَقَدْ أَنْشَدَ بَيْتًا لَبَنِي كَلْبٍ : نَعِمْ ، إِذَا قالَهَا ، مِنْهُ مُحَقَّقَةٌ وَلَا تَخِيبُ عَسَى مِنْهُ وَلَا قَمَنُ بِكَسْرِ نَعِمْ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ عِنْدَنَا ( نَعَمْ ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ ، لِأَنَّهَا الْقِرَاءَةُ الْمُسْتَفِيضَةُ فِي قَرَأَةِ الْأَمْصَارِ ، وَاللُّغَةُ الْمَشْهُورَةُ فِي الْعَرَبِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ ، يَقُولُ : فَنَادَى مُنَادٍ ، وَأَعْلَمَ مُعْلِمٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ، يَقُولُ : غَضَبُ اللَّهِ وَسُخْطُهُ وَعُقُوبَتُهُ عَلَى مَنْ كَفَرَ بِهِ . وَقَدْ بَيَّنَّا الْقَوْلَ فِي أَنَّ إِذَا صَحِبَتْ مِنَ الْكَلَامِ مَا ضَارَعَ الْحِكَايَةَ ، وَلَيْسَ بِصَرِيحِ الْحِكَايَةِ ، بِأَنَّهَا تُشَدِّدُهَا الْعَرَبُ أَحْيَانًا ، وَتُوقِعُ الْفِعْلَ عَلَيْهَا فَتَفْتَحُهَا وَتُخَفِّفُهَا أَحْيَانًا ، وَتُعْمِلُ الْفِعْلَ فِيهَا فَتَنْصِبُهَا بِهِ ، وَتُبْطِلُ عَمَلَهَا عَنِ الِاسْمِ الَّذِي يَلِيهَا ، فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَسَوَاءٌ شُدِّدَتْ أَنْ أَوْ خُفِّفَتْ فِي الْقِرَاءَةِ ، إِذْ كَانَ مَعْنَى الْكَلَامِ بِأَيِّ ذَلِكَ قَرَأَ الْقَارِئُ وَاحِدًا ، وَكَانَتَا قِرَاءَتَيْنِ مَشْهُورَتَيْنِ فِي قَرَأَةِ الْأَمْصَارِ .