الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا ، لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ فِي الْأَرْضِ وَلَا تَعْصُوهُ فِيهَا ، وَذَلِكَ هُوَ الْفَسَادُ فِيهَا . وَقَدْ ذَكَرْنَا الرِّوَايَةَ فِي ذَلِكَ فِيمَا مَضَى ، وَبَيَّنَّا مَعْنَاهُ بِشَوَاهِدِهِ . بَعْدَ إِصْلَاحِهَا يَقُولُ : بَعْدَ إِصْلَاحِ اللَّهِ إِيَّاهَا لِأَهْلِ طَاعَتِهِ ، بِابْتِعَاثِهِ فِيهِمُ الرُّسُلَ دُعَاةً إِلَى الْحَقِّ ، وَإِيضَاحِهِ حُجَجَهُ لَهُمْ وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا ، يَقُولُ : وَأَخْلِصُوا لَهُ الدُّعَاءَ وَالْعَمَلَ ، وَلَا تُشْرِكُوا فِي عَمَلِكُمْ لَهُ شَيْئًا غَيْرَهُ مِنَ الْآلِهَةِ وَالْأَصْنَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَلْيَكُنْ مَا يَكُونُ مِنْكُمْ فِي ذَلِكَ خَوْفًا مِنْ عِقَابِهِ ، وَطَمَعًا فِي ثَوَابِهِ .
وَإِنَّ مَنْ كَانَ دُعَاؤُهُ إِيَّاهُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ ، فَهُوَ بِالْآخِرَةِ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ ، لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَخَفْ عِقَابَ اللَّهِ وَلَمْ يَرْجُ ثَوَابَهُ ، لَمْ يُبَالِ مَا رَكِبَ مَنْ أَمْرٍ يَسْخَطُهُ اللَّهُ وَلَا يَرْضَاهُ إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ، يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : إِنَّ ثَوَابَ اللَّهِ الَّذِي وَعَدَ الْمُحْسِنِينَ عَلَى إِحْسَانِهِمْ فِي الدُّنْيَا ، قَرِيبٌ مِنْهُمْ ، وَذَلِكَ هُوَ رَحْمَتُهُ ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَنْ يَصِيرُوا إِلَى ذَلِكَ مِنْ رَحْمَتِهِ وَمَا أَعَدَّ لَهُمْ مِنْ كَرَامَتِهِ إِلَّا أَنْ تُفَارِقَ أَرْوَاحُهُمْ أَجْسَادَهُمْ . وَلِذَلِكَ مِنَ الْمَعْنَى ذَكَّرَ قَوْلَهُ : قَرِيبٌ ، وَهُوَ مِنْ خَبَرِ الرَّحْمَةِ ، وَ الرَّحْمَةُ مُؤَنَّثَةٌ ، لِأَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ الْقُرْبُ فِي الْوَقْتِ لَا فِي النَّسَبِ ، وَالْأَوْقَاتُ بِذَلِكَ الْمَعْنَى إِذَا وَقَعَتْ أَخْبَارًا لِلْأَسْمَاءِ ، أَجْرَتْهَا الْعَرَبُ مَجْرَى الْحَالِ ، فَوَحَّدَتْهَا مَعَ الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَالْجَمِيعِ ، وَذَكَّرَتْهَا مَعَ الْمُؤَنَّثِ ، فَقَالُوا : كَرَامَةُ اللَّهِ بَعِيدٌ مِنْ فُلَانٍ ، وَ هِيَ قَرِيبٌ مِنْ فُلَانٍ ، كَمَا يَقُولُونَ : هِنْدُ قَرِيبٌ مِنَّا ، وَ الْهِنْدَانِ مِنَّا قَرِيبٌ ، وَ الْهِنْدَاتُ مِنَّا قَرِيبٌ ، لِأَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ : هِيَ فِي مَكَانٍ قَرِيبٍ مِنَّا . فَإِذَا حَذَفُوا الْمَكَانَ وَجَعَلُوا الْقَرِيبَ خَلَفًا مِنْهُ ، ذَكَّرُوهُ وَوَحَّدُوهُ فِي الْجَمْعِ ، كَمَا كَانَ الْمَكَانُ مُذَكَّرًا وَمُوَحَّدًا فِي الْجَمْعِ .
وَأَمَّا إِذَا أَنَّثُوهُ ، أَخْرَجُوهُ مُثَنًّى مَعَ الِاثْنَيْنِ ، وَمَجْمُوعًا مَعَ الْجَمِيعِ ، فَقَالُوا : هِيَ قَرِيبَةٌ مِنَّا ، وَ هُمَا مِنَّا قَرِيبَتَانِ ، كَمَا قَالَ عُرْوَةُ [ بْنُ الْوَرْدِ ] : عَشِيَّةَ لَا عَفْرَاءُ مِنْكَ قَرِيبَةٌ فَتَدْنُو ، وَلَا عَفْرَاءُ مِنْكَ بَعِيدُ فَأَنَّثَ قَرِيبَةً ، وَذَكَّرَ بَعِيدًا ، عَلَى مَا وَصَفْتُ . وَلَوْ كَانَ الْقَرِيبُ ، مِنَ الْقَرَابَةِ فِي النَّسَبِ ، لَمْ يَكُنْ مَعَ الْمُؤَنَّثِ إِلَّا مُؤَنَّثًا ، وَمَعَ الْجَمِيعِ إِلَّا مَجْمُوعًا . وَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ يَقُولُ : ذَكَّرَ قَرِيبٌ وَهُوَ صِفَةٌ لِ الرَّحْمَةِ ، وَذَلِكَ كَقَوْلِ الْعَرَبِ : رِيحٌ خَرِيقٌ ، وَ مِلْحَفَةٌ جَدِيدٌ ، وَ شَاةٌ سَدِيسٌ .
قَالَ : وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ : تَفْسِيرُ الرَّحْمَةِ هَاهُنَا ، الْمَطَرُ وَنَحْوُهُ ، فَلِذَلِكَ ذُكِّرَ ، كَمَا قَالَ : وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا ، [ سُورَةُ الْأَعْرَافِ : 87 ] ، فَذَكَّرَ ، لِأَنَّهُ أَرَادَ النَّاسَ . وَإِنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ كَبَعْضِ مَا يُذَكِّرُونَ مِنَ الْمُؤَنَّثِ ، كَقَوْلِ الشَّاعِرِ : وَلَا أَرْضَ أَبْقَلَ إِبْقَالَهَا وَقَدْ أَنْكَرَ ذَلِكَ مِنْ قِيلِهِ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ ، وَرَأَى أَنَّهُ يَلْزَمُهُ إِنْ جَازَ أَنْ يُذَكِّرَ قَرِيبًا ، تَوْجِيهًا مِنْهُ لِلرَّحْمَةِ إِلَى مَعْنَى الْمَطَرِ ، أَنْ يَقُولَ : هِنْدُ قَامَ ، تَوْجِيهًا مِنْهُ لِ هِنْدَ وَهِيَ امْرَأَةٌ ، إِلَى مَعْنَى : إِنْسَانٍ ، وَرَأَى أَنَّ مَا شَبَّهَ بِهِ قَوْلَهُ : إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ، بِقَوْلِهِ : وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا ، غَيْرُ مُشْبِهِهِ . وَذَلِكَ أَنَّ الطَّائِفَةَ فِيمَا زَعَمَ مَصْدَرٌ ، بِمَعْنَى الطَّيْفِ ، كَمَا الصَّيْحَةُ وَ الصِّيَاحُ ، بِمَعْنًى ، وَلِذَلِكَ قِيلَ : وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ ، [ سُورَةُ هُودٍ : 67 ] .