الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ . . . . "
) ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ﴾( 110 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : قَالَتِ الْجَمَاعَةُ مِنْ رِجَالِ قَوْمِ فِرْعَوْنَ وَالْأَشْرَافِ مِنْهُمْ إِنَّ هَذَا ، يَعْنُونَ مُوسَى صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ لِسَاحِرٌ عَلِيمٌ ، يُعَنْوِنُ : أَنَّهُ يَأْخُذُ بِأَعْيُنِ النَّاسِ بِخِدَاعِهِ إِيَّاهُمْ ، حَتَّى يُخَيَّلَ إِلَيْهِمُ الْعَصَا حَيَّةً ، وَالْآدَمُ أَبْيَضَ ، وَالشَّيْءُ بِخِلَافِ مَا هُوَ بِهِ . وَمِنْهُ قِيلَ : سَحَرَ الْمَطَرُ الْأَرْضَ ، إِذَا جَادَّهَا ، فَقَطَعَ نَبَاتَهَا مِنْ أُصُولِهِ ، وَقَلَبَ الْأَرْضَ ظَهْرًا لِبَطْنٍ ، فَهُوَ يَسْحَرُهَا سَحْرًا ، وَ الْأَرْضُ مَسْحُورَةٌ ، إِذَا أَصَابَهَا ذَلِكَ . فَشَبَّهَ سِحْرُ السَّاحِرِ بِذَلِكَ ، لِتَخْيِيلِهِ إِلَى مَنْ سَحَرَهُ أَنَّهُ يَرَى الشَّيْءَ بِخِلَافِ مَا هُوَ بِهِ ، وَمِنْهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ فِي صِفَةِ السَّرَابِ : وَسَاحِرَةِ الْعُيُونِ مِنَ الْمَوَامِي تَرَقَّصُ فِي نَوَاشِرِهَا الْأُرُومُ .
وَقَوْلُهُ ( عَلِيمٌ ) يَقُولُ : سَاحِرٌ عَلِيمٌ بِالسِّحْرِ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ أَرْضِ مِصْرَ ، مَعْشَرَ الْقِبْطِ السَّحَرَةُ . وَقَالَ فِرْعَوْنُ لِلْمَلَأِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ يَقُولُ : فَأَيُّ شَيْءٍ تَأْمُرُونَ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْرِهِ؟ بِأَيِّ شَيْءٍ تُشِيرُونَ فِيهِ؟ وَقِيلَ : فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ، وَالْخَبَرُ بِذَلِكَ عَنْ فِرْعَوْنَ ، وَلَمْ يُذْكَرْ فِرْعَوْنُ ، وَقَلَّمَا يَجِيءُ مِثْلَ ذَلِكَ فِي الْكَلَامِ ، وَذَلِكَ نَظِيرُ قَوْلِهِ : قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ ، [ يُوسُفَ : 51 - 52 ] . فَقِيلَ : ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ ، مِنْ قَوْلِ يُوسُفَ ، وَلَمْ يُذْكَرْ يُوسُفُ ، وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ : قُلْتُ لِزَيْدٍ قُمْ ، فَإِنَّى قَائِمٌ ، وَهُوَ يُرِيدُ : فَقَالَ زَيْدٌ : إِنِّي قَائِمٌ .