الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ . . . . "
) ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ ﴾( 115 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : قَالَ فِرْعَوْنُ لِلسَّحَرَةِ ، إِذْ قَالُوا لَهُ : إِنَّ لَنَا عِنْدَكَ ثَوَابًا إِنْ نَحْنُ غَلَبْنَا مُوسَى؟ قَالَ : نَعَمَ ، لَكُمْ ذَلِكَ ، وَإِنَّكُمْ لَمِمَّنَ أُقَرِّبُهُ وَأُدْنِيهِ مِنِّي قَالُوا يَا مُوسَى يَقُولُ : قَالَتِ السَّحَرَةُ لِمُوسَى : يَا مُوسَى ، اخْتَرْ أَنْ تُلْقِيَ عَصَاكَ ، أَوْ نُلْقِيَ نَحْنُ عِصِيَّنَا . وَلِذَلِكَ أَدْخَلَتْ أَنْ مَعَ إِمَّا فِي الْكَلَامِ ، لِأَنَّهَا فِي مَوْضِعِ أَمْرٍ بِالِاخْتِيَارِ . فَ أَنْ إِذًا فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ لَمَّا وَصَفَتْ مِنَ الْمَعْنَى ، لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ : اخْتَرْ أَنْ تُلْقِيَ أَنْتَ ، أَوْ نُلْقِي نَحْنُ ، وَالْكَلَامُ مَعَ إِمَّا إِذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْأَمْرِ ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِيهِ أَنْ ، كَقَوْلِكَ لِلرَّجُلِ : إِمَّا أَنْ تَمْضِيَ ، وَإِمَّا أَنْ تَقْعُدَ ، بِمَعْنَى الْأَمْرِ : امْضِ أَوِ اقْعُدْ ، فَإِذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ ، لَمْ يَكُنْ فِيهِ أَنْ كَقَوْلِهِ : وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ [ التَّوْبَةِ : 106 ] .
وَهَذَا هُوَ الَّذِي يُسَمَّى التَّخْيِيرُ وَكَذَلِكَ كَلَّ مَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ ، وَ إِمَّا فِي جَمِيعِ ذَلِكَ مَكْسُورَةٌ .