الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا . . . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَاتَّخَذَ بَنُو إِسْرَائِيلَ قَوْمُ مُوسَى ، مِنْ بَعْدِ مَا فَارَقَهُمْ مُوسَى مَاضِيًا إِلَى رَبِّهِ لِمُنَاجَاتِهِ ، وَوَفَاءً لِلْوَعْدِ الَّذِي كَانَ رَبُّهُ وَعَدَهُ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلا ، وَهُوَ وَلَدُ الْبَقَرَةِ ، فَعَبَدُوهُ . ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى ذِكْرُهُ مَا ذَلِكَ الْعِجْلُ فَقَالَ : جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ وَ الْخُوَارُ : صَوْتُ الْبَقَرِ . يُخْبِرُ جَلَّ ذِكْرُهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ ضَلُّوا بِمَا لَا يَضِلُّ بِمِثْلِهِ أَهْلُ الْعَقْلِ .
وَذَلِكَ أَنَّ الرَّبَّ جَلَّ جَلَالُهُ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، وَمُدَبِّرُ ذَلِكَ ، لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ ، لَا يُكَلِّمُ أَحَدًا وَلَا يُرْشِدُ إِلَى خَيْرٍ . وَقَالَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَصَّ اللَّهُ قِصَصَهُمْ لِذَلِكَ : هَذَا إِلَهُنَا وَإِلَهُ مُوسَى ، فَعَكَفُوا عَلَيْهِ يَعْبُدُونَهُ ، جَهْلًا مِنْهُمْ ، وَذَهَابًا عَنِ اللَّهِ وَضَلَالًا . وَقَدْ بَيَّنَّا سَبَبَ عِبَادَتِهِمْ إِيَّاهُ ، وَكَيْفَ كَانَ اتِّخَاذُ مَنِ اتَّخَذَ مِنْهُمُ الْعِجْلَ ، فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ .
وَفِي الْحُلِيِّ لُغَتَانِ : ضَمُّ الْحَاءِ وَهُوَ الْأَصْلُ وَكَسْرُهَا ، وَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي كُلِّ مَا شَاكَلَهُ مِنْ مِثْلِ صُلِيِّ وَ جُثِيِّ وَ عُتِيِّ ، وَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ الصَّوَابَ ، لِاسْتِفَاضَةِ الْقِرَاءَةِ بِهِمَا فِي الْقَرَأَةِ ، وَلِاتِّفَاقِ مَعْنَيَيْهِمَا . وَقَوْلُهُ : أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلا ، يَقُولُ : أَلَمْ يَرَ الَّذِينَ عَكَفُوا عَلَى الْعِجْلِ الَّذِي اتَّخَذُوهُ مِنْ حُلِيِّهِمْ يَعْبُدُونَهُ ، أَنَّ الْعِجْلَ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا؟ يَقُولُ : وَلَا يُرْشِدُهُمْ إِلَى طَرِيقٍ؟ وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ صِفَةِ رَبِّهِمُ الَّذِي لَهُ الْعِبَادَةُ حَقًا ، بَلْ صِفَتُهُ أَنَّهُ يُكَلِّمُ أَنْبِيَاءَهُ وَرُسُلَهُ ، وَيُرْشِدُ خَلْقَهُ إِلَى سَبِيلِ الْخَيْرِ ، وَيَنْهَاهُمْ عَنْ سَبِيلِ الْمَهَالِكِ وَالرَّدَى . يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : اتَّخَذُوهُ ، أَيْ : اتَّخَذُوا الْعِجْلَ إِلَهًا ، وَكَانُوا بِاتِّخَاذِهِمْ إِيَّاهُ رَبًّا مَعْبُودًا ظَالِمِينَ لِأَنْفُسِهِمْ ، لِعِبَادَتِهِمْ غَيْرَ مَنْ لَهُ الْعِبَادَةُ ، وَإِضَافَتِهِمُ الْأُلُوهَةَ إِلَى غَيْرِ الَّذِي لَهُ الْأُلُوهَةُ .
وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الظُّلْمِ فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ .