الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ . . . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ إِلَهًا سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ ، بِتَعْجِيلِ اللَّهِ لَهُمْ ذَلِكَ وَذِلَّةٌ ، وَهِيَ الْهَوَانُ ، لِعُقُوبَةِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ بِرَبِّهِمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ، فِي عَاجِلِ الدُّنْيَا قَبْلَ آجِلِ الْآخِرَةِ . وَكَانَ ابْنُ جُرَيْجٍ يَقُولُ فِي ذَلِكَ بِمَا : - 15147 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ ، حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَوْلَهُ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ ﴾ ، قَالَ : هَذَا لِمَنْ مَاتَ مِمَّنِ اتَّخَذَ الْعِجْلَ قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَمَنْ فَرَّ مِنْهُمْ حِينَ أَمَرَهُمْ مُوسَى أَنْ يَقْتُلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ ، وَإِنْ كَانَ قَوْلًا لَهُ وَجْهٌ ، فَإِنَّ ظَاهِرَ كِتَابِ اللَّهِ ، مَعَ تَأْوِيلِ أَكْثَرِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ ، بِخِلَافِهِ .
وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ عَمَّ بِالْخَبَرِ عَمَّنِ اتَّخَذَ الْعِجْلَ أَنَّهُ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ، وَتَظَاهَرَتِ الْأَخْبَارُ عَنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعَيْنَ بِأَنَّ اللَّهَ إِذْ رَجَعَ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ ، تَابَ عَلَى عَبَدَةِ الْعِجْلِ مِنْ فِعْلِهِمْ بِمَا أَخْبَرَ بِهِ عَنْ قِيلِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي كِتَابِهِ ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ : وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 54 ] ، فَفَعَلُوا مَا أَمَرَهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ إِيَّاهُمْ بِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ مِنْ قَتْلِ بَعْضِهِمْ أَنْفُسَ بَعْضٍ ، عَنْ غَضَبٍ مِنْهُ عَلَيْهِمْ بِعِبَادَتِهِمُ الْعِجْلَ . فَكَانَ قَتْلُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا هَوَانًا لَهُمْ وَذِلَّةً أَذَلَّهُمُ اللَّهُ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ، وَتَوْبَةً مِنْهُمْ إِلَى اللَّهِ قَبِلَهَا .
وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَجْعَلَ خَبَرًا جَاءَ الْكِتَابُ بِعُمُومِهِ ، فِي خَاصٍّ مِمَّا عَمَّهُ الظَّاهِرُ ، بِغَيْرِ بُرْهَانٍ مِنْ حُجَّةِ خَبَرٍ أَوْ عَقْلٍ . وَلَا نَعْلَمُ خَبَرًا جَاءَ بِوُجُوبِ نَقْلِ ظَاهِرِ قَوْلِهِ : إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ ، إِلَى بَاطِنٍ خَاصٍّ وَلَا مِنَ الْعَقْلِ عَلَيْهِ دَلِيلٌ ، فَيَجِبُ إِحَالَةُ ظَاهِرِهِ إِلَى بَاطِنِهِ . وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ ، وَكَمَا جَزَيْتَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ إِلَهًا ، مِنْ إِحْلَالِ الْغَضَبِ بِهِمْ ، وَالْإِذْلَالِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا عَلَى كُفْرِهِمْ رَبَّهُمْ ، وَرِدَّتِهِمْ عَنْ دِينِهِمْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ بِاللَّهِ ، كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ مَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ ، فَكَذَبَ عَلَيْهِ ، وَأَقَرَّ بِأُلُوهِيَّةِ غَيْرِهِ ، وَعَبَدَ شَيْئًا سِوَاهُ مِنَ الْأَوْثَانِ ، بَعْدَ إِقْرَارِهِ بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ ، وَبَعْدَ إِيمَانِهِ بِهِ وَبِأَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ وَقِيلَ ذَلِكَ ، إِذَا لَمْ يَتُبْ مِنْ كُفْرِهِ قَبْلَ قَتْلِهِ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 15148 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ أَيُّوبَ قَالَ : تَلَا أَبُو قِلَابَةَ : سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا الْآيَةَ ، قَالَ : فَهُوَ جَزَاءُ كُلِّ مُفْتَرٍ يَكُونُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ : أَنْ يُذِلَّهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ . 15149 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ عَارِمٌ قَالَ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ أَيُّوبَ قَالَ : قَرَأَ أَبُو قِلَابَةَ يَوْمًا هَذِهِ الْآيَةَ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ ﴾ ، قَالَ : هِيَ وَاللَّهِ لِكُلِّ مُفْتَرٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ .
15150 - . قَالَ حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ قَالَ ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ، عَنْ ثَابِتٍ ، وَحُمَيْدٍ : أَنْ قَيْسَ بْنَ عَبَّادٍ ، وَجَارِيَةَ بْنَ قَدَامَةَ ، دَخَلَا عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فَقَالَا : أَرَأَيْتَ هَذَا الْأَمْرَ الَّذِي أَنْتَ فِيهِ وَتَدْعُو إِلَيْهِ ، أَعَهْدٌ عَهِدَهُ إِلَيْكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَمْ رَأْيٌ رَأَيْتَهُ؟ قَالَ : مَا لَكُمَا وَلِهَذَا؟ أَعْرِضَا عَنْ هَذَا! فَقَالَا : وَاللَّهِ لَا نَعْرِضُ عَنْهُ حَتَّى تُخْبِرَنَا! فَقَالَ : مَا عَهِدَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا كِتَابًا فِي قِرَابِ سَيْفِي هَذَا! فَاسْتَلَّهُ ، فَأَخْرَجَ الْكِتَابَ مِنْ قِرَابِ سَيْفِهِ ، وَإِذَا فِيهِ : إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ إِلَّا لَهُ حَرَمٌ ، وَأَنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ كَمًّا حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَكَّةَ ، لَا يُحْمَلُ فِيهَا السِّلَاحُ لِقِتَالٍ . مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ .
فَلَمَّا خَرَجَا قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ : أَمَا تَرَى هَذَا الْكِتَابَ؟ فَرَجَعَا وَتَرَكَاهُ وَقَالَا : إِنَّا سَمِعْنَا اللَّهَ يَقُولُ إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ ، الْآيَةَ ، وَإِنَّ الْقَوْمَ قَدِ افْتَرَوْا فِرْيَةً ، وَلَا أَدْرِي إِلَّا سَيَنْزِلُ بِهِمْ ذِلَّةٌ . 15151 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ : فِي قَوْلِهِ : وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ قَالَ : كُلُّ صَاحِبِ بِدْعَةٍ ذَلِيلٌ .