الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ . . . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - بِقَوْلِهِ : فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ ، فَإِذَا انْقَضَى وَمَضَى وَخَرَجَ . يُقَالُ مِنْهُ : سَلَخْنَا شَهْرَ كَذَا نَسْلَخُهُ سَلْخًا وَسُلُوخًا ، بِمَعْنَى : خَرَجْنَا مِنْهُ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ : شَاةٌ مَسْلُوخَةٌ ، بِمَعْنَى : الْمَنْزُوعَةِ مِنْ جِلْدِهَا ، الْمُخْرَجَةِ مِنْهُ . وَيَعْنِي بِ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ ، ذَا الْقِعْدَةِ ، وَذَا الْحِجَّةِ ، وَالْمُحَرَّمِ .
وَإِنَّمَا أُرِيدَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ انْسِلَاخُ الْمُحَرَّمِ وَحْدَهُ ، لِأَنَّ الْأَذَانَ كَانَ بِبَرَاءَةٌ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ ، فَمَعْلُومٌ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا أَجَّلُوا الْأَشْهُرَ الْحُرُمَ كُلَّهَا وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ فِيمَا مَضَى؛ وَلَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ مُتَّصِلًا بِالشَّهْرَيْنِ الْآخَرَيْنِ قَبْلَهُ الْحَرَامَيْنِ ، وَكَانَ هُوَ لَهُمَا ثَالِثًا ، وَهِيَ كُلُّهَا مُتَّصِلٌ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ ، قِيلَ : فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ ، وَمَعْنَى الْكَلَامِ : فَإِذَا انْقَضَتِ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ الثَّلَاثَةُ عَنِ الَّذِينَ لَا عَهْدَ لَهُمْ ، أَوْ عَنِ الَّذِينَ كَانَ لَهُمْ عَهْدٌ فَنَقَضُوا عَهْدَهُمْ بِمُظَاهَرَتِهِمُ الْأَعْدَاءَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَعَلَى أَصْحَابِهِ ، أَوْ كَانَ عَهْدُهُمْ إِلَى أَجَلٍ غَيْرِهِ مَعْلُومٍ . فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ ، يَقُولُ : فَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ، يَقُولُ : حَيْثُ لَقِيتُمُوهُمْ مِنَ الْأَرْضِ ، فِي الْحَرَمِ ، وَغَيْرِ الْحَرَمِ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ وَغَيْرِ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ ( وَخُذُوهُمْ ) يَقُولُ : وَأْسِرُوهُمْ ( وَاحْصُرُوهُمْ ) ، يَقُولُ : وَامْنَعُوهُمْ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ وَدُخُولِ مَكَّةَ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ، يَقُولُ : وَاقْعُدُوا لَهُمْ بِالطَّلَبِ لِقَتْلِهِمْ أَوْ أَسْرِهِمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ، يَعْنِي : كُلَّ طَرِيقٍ وَمَرْقَبٍ . وَهُوَ مَفْعَلٌ ، مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : رَصَدْتُ فُلَانًا أَرْصُدُهُ رَصْدًا ، بِمَعْنَى : رَقَبْتُهُ .
( فَإِنْ تَابُوا ) ، يَقُولُ : فَإِنْ رَجَعُوا عَمَّا نَهَاهُمْ عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ بِاللَّهِ وَجُحُودِ نُبُوَّةِ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ وَإِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ لَهُ دُونَ الْآلِهَةِ وَالْأَنْدَادِ ، وَالْإِقْرَارِ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ ، يَقُولُ : وَأَدَّوْا مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الصَّلَاةِ بِحُدُودِهَا وَأَعْطَوُا الزَّكَاةَ الَّتِي أَوْجَبَهَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِي أَمْوَالِهِمْ أَهْلَهَا فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ، يَقُولُ : فَدَعُوهُمْ يَتَصَرَّفُونَ فِي أَمْصَارِكُمْ ، وَيَدْخُلُونَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ ( إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) ، لِمَنْ تَابَ مِنْ عِبَادِهِ فَأَنَابَ إِلَى طَاعَتِهِ ، بَعْدَ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ مِنْ مَعْصِيَتِهِ ، سَاتِرٌ عَلَى ذَنْبِهِ ، رَحِيمٌ بِهِ ، أَنْ يُعَاقِبَهُ عَلَى ذُنُوبِهِ السَّالِفَةِ قَبْلَ تَوْبَتِهِ ، بَعْدَ التَّوْبَةِ . وَقَدْ ذَكَرْنَا اخْتِلَافَ الْمُخْتَلِفِينَ فِي الَّذِينَ أُجِّلُوا إِلَى انْسِلَاخِ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ . وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16475 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ وَاصِلٍ الْأَسَدِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ فَارَقَ الدُّنْيَا عَلَى الْإِخْلَاصِ لِلَّهِ وَحْدَهُ ، وَعِبَادَتِهِ لَا يُشْرِكُ لَهُ شَيْئًا ، فَارَقَهَا وَاللَّهُ عَنْهُ رَاضٍ قَالَ : وَقَالَ أَنَسٌ : هُوَ دِينُ اللَّهِ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ وَبَلَّغُوهُ عَنْ رَبِّهِمْ ، قَبْلَ هَرْجِ الْأَحَادِيثِ ، وَاخْتِلَافِ الْأَهْوَاءِ . وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فِي آخِرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ ، قَالَ اللَّهُ : فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ، قَالَ : تَوْبَتُهُمْ ، خَلْعُ الْأَوْثَانِ ، وَعِبَادَةُ رَبِّهِمْ ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ ، ثُمَّ قَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى : فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ ، [ سُورَةُ التَّوْبَةِ : 11 ] . 16476 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ، حَتَّى خَتَمَ آخِرَ الْآيَةِ .
وَكَانَ قَتَادَةُ يَقُولُ : خَلُّوا سَبِيلَ مَنْ أَمَرَكُمُ اللَّهُ أَنْ تُخَلُّوا سَبِيلَهُ ، فَإِنَّمَا النَّاسُ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ : مُسْلِمٌ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ ، وَمُشْرِكٌ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ ، وَصَاحِبُ حَرْبٍ يَأْمَنُ بِتِجَارَتِهِ فِي الْمُسْلِمِينَ إِذَا أَعْطَى عُشُورَ مَالِهِ . 16477 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ ، وَهِيَ الْأَرْبَعَةُ الَّتِي عَدَدْتُ لَكَ يَعْنِي : عِشْرِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ ، وَالْمُحَرَّمَ ، وَصَفَرَ ، وَرَبِيعًا الْأَوَّلَ ، وَعَشْرًا مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخِرِ . وَقَالَ قَائِلُو هَذِهِ الْمَقَالَةِ : قِيلَ لِهَذِهِ : الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ ، لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حَرَّمَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فِيهَا دِمَاءَ الْمُشْرِكِينَ ، وَالْعَرْضَ لَهُمْ إِلَّا بِسَبِيلِ خَيْرٍ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16478 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ : أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ مُجَاهِدٍ وَعَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ فِي قَوْلِهِ : فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ ، أَنَّهَا الْأَرْبَعَةُ الَّتِي قَالَ اللَّهُ : فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ ، قَالَ : هِيَ الْحُرُمُ ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ أُومِنُوا فِيهَا حَتَّى يَسِيحُوهَا . 16479 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ، قَالَ : ضَرَبَ لَهُمْ أَجَلَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، وَتَبَرَّأَ مِنْ كُلِّ مُشْرِكٍ ، ثُمَّ أَمَرَ إِذَا انْسَلَخَتْ تِلْكَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ، لَا تَتْرُكُوهُمْ يَضْرِبُونَ فِي الْبِلَادِ ، وَلَا يَخْرُجُوا لِتِجَارَةٍ ، ضَيِّقُوا عَلَيْهِمْ بَعْدَهَا ، ثُمَّ أَمَرَ بِالْعَفْوِ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ . 16480 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ : فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ ، يَعْنِي : الْأَرْبَعَةُ الَّتِي ضَرَبَ اللَّهُ لَهُمْ أَجَلًا لِأَهْلِ الْعَهْدِ الْعَامِّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ، الْآيَةَ .