الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ . . . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ أَمَرَهُمْ بِقِتَالِ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ ، الَّذِينَ نَقَضُوا عَهْدَهُمُ الَّذِي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ بِقَوْلِهِ : قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ ، الْآيَةَ ، حَاضًّا عَلَى جِهَادِهِمْ : ( أَمْ حَسِبْتُمْ ) ، أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ أَنْ يَتْرُكَكُمُ اللَّهُ بِغَيْرِ مِحْنَةٍ يَمْتَحِنُكُمْ بِهَا ، وَبِغَيْرِ اخْتِبَارٍ يَخْتَبِرُكُمْ بِهِ ، فَيَعْرِفَ الصَّادِقَ مِنْكُمْ فِي دِينِهِ مِنَ الْكَاذِبِ فِيهِ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا ، يَقُولُ : أَحَسِبْتُمْ أَنْ تَتْرُكُوا بِغَيْرِ اخْتِبَارٍ يَعْرِفُ بِهِ أَهْلَ وِلَايَتِهِ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ فِي سَبِيلِهِ ، مِنَ الْمُضَيِّعِينَ أَمْرَ اللَّهِ فِي ذَلِكَ ، الْمُفَرِّطِينَ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ ، يَقُولُ : وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ ، وَالَّذِينَ لَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا مِنْ دُونِ رَسُولِهِ وَلَا مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ( وَلِيجَةً ) . هُوَ الشَّيْءُ يَدْخُلُ فِي آخَرَ غَيْرِهِ ، يُقَالُ مِنْهُ : وَلَجَ فُلَانٌ فِي كَذَا يَلِجُهُ ، فَهُوَ وَلِيجَةٌ . وَإِنَّمَا عَنَى بِهَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ : الْبِطَانَةَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ .
نَهَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَتَّخِذُوا مِنْ عَدُوِّهِمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَوْلِيَاءَ ، يُفْشُونَ إِلَيْهِمْ أَسْرَارَهُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ، يَقُولُ : وَاللَّهُ ذُو خِبْرَةٍ بِمَا تَعْمَلُونَ ، مِنَ اتِّخَاذِكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَدُونَ رَسُولِهِ وَالْمُؤْمِنِينَ بِهِ أَوْلِيَاءَ وَبِطَانَةً ، بَعْدَ مَا قَدْ نَهَاكُمْ عَنْهُ ، لَا يَخْفَى ذَلِكَ عَلَيْهِ ، وَلَا غَيْرُهُ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، وَاللَّهُ مُجَازِيكُمْ عَلَى ذَلِكَ ، إِنْ خَيْرًا فَخَيْرًا ، وَإِنَّ شَرًّا فَشَرًّا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْتُ فِي مَعْنَى الْوَلِيجَةِ ، قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16548 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً ، يَتَوَلَّجُهَا مِنَ الْوِلَايَةِ لِلْمُشْرِكِينَ .
16549 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَكَّامٌ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنِ الرَّبِيعِ : وَلِيجَةً ، قَالَ : دَخَلًا . 16550 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا ، إِلَى قَوْلِهِ : وَلِيجَةً ، قَالَ : أَبَى أَنْ يَدَعَهُمْ دُونَ التَّمْحِيصِ . وَقَرَأَ : أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ ، وَقَرَأَ : أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ ، [ سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ : 142 ] ، أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ ، الْآيَاتِ كُلَّهَا ، [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ 214 ] أَخْبَرَهُمْ أَنْ لَا يَتْرُكَهُمْ حَتَّى يُمَحِّصَهُمْ وَيَخْتَبِرَهُمْ .
وَقَرَأَ : الم ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ﴾ ، لَا يُخْتَبَرُونَ ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ﴾ ، [ سُورَةُ الْعَنْكَبُوتِ : 1 - 3 ] ، أَبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُمَحِّصَ . 16551 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الْحَسَنِ : وَلِيجَةً ، قَالَ : هُوَ الْكُفْرُ وَالنِّفَاقُ أَوْ قَالَ أَحَدَهُمَا . وَقِيلَ : ( أَمْ حَسِبْتُمْ ) ، وَلَمْ يَقُلْ : أَحَسِبْتُمْ ، لِأَنَّهُ مِنَ الِاسْتِفْهَامِ الْمُعْتَرِضِ فِي وَسَطِ الْكَلَامِ ، فَأُدْخِلَتْ فِيهِ أَمْ لِيُفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الِاسْتِفْهَامِ الْمُبْتَدَأِ .
وَقَدْ بَيَّنْتُ نَظَائِرَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنَ الْكِتَابِ .