الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ . . . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : مَا يَنْبَغِي لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ وَهُمْ شَاهِدُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ . يَقُولُ : إِنَّ الْمَسَاجِدَ إِنَّمَا تُعَمَّرُ لِعِبَادَةِ اللَّهِ فِيهَا ، لَا لِلْكُفْرِ بِهِ ، فَمَنْ كَانَ بِاللَّهِ كَافِرًا ، فَلَيْسَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَعْمُرَ مَسَاجِدَ اللَّهِ . وَأَمَّا شَهَادَتُهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ ، فَإِنَّهَا كَمَا : - 16552 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ قَوْلُهُ : مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ ، يَقُولُ : مَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَعْمُرُوهَا .
وَأَمَّا شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ ، فَإِنَّ النَّصْرَانِيَّ يُسْأَلُ : مَا أَنْتَ؟ فَيَقُولُ : نَصْرَانِيٌّ وَالْيَهُودِيُّ ، فَيَقُولُ : يَهُودِيٌّ وَالصَّابِئُ ، فَيَقُولُ : صَابِئٌ وَالْمُشْرِكُ يَقُولُ إِذَا سَأَلْتَهُ : مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ : مُشْرِكٌ ! لَمْ يَكُنْ لِيَقُولَهُ أَحَدٌ إِلَّا الْعَرَبُ . 16553 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو الْعَنْقَزِيُّ ، عَنْ أَسْبَاطٍ ، عَنِ السُّدِّيِّ : مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ ، قَالَ : يَقُولُ : مَا كَانَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَعْمُرُوهَا . 16554 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو ، عَنْ أَسْبَاطٍ ، عَنِ السُّدِّيِّ : شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ ، قَالَ : النَّصْرَانِيُّ يُقَالُ لَهُ : مَا أَنْتَ؟ فَيَقُولُ : نَصْرَانِيٌّ وَالْيَهُودِيُّ يُقَالُ لَهُ : مَا أَنْتَ؟ فَيَقُولُ : يَهُودِيٌّ وَالصَّابِئُ يُقَالُ لَهُ : مَا أَنْتَ؟ فَيَقُولُ : صَابِئٌ .
وَقَوْلُهُ : أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ ، يَقُولُ : بَطَلَتْ وَذَهَبَتْ أُجُورُهَا؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ لِلَّهِ بَلْ كَانَتْ لِلشَّيْطَانِ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ ، يَقُولُ : مَاكِثُونَ فِيهَا أَبَدًا ، لَا أَحْيَاءً وَلَا أَمْوَاتًا . وَاخْتَلَفَتِ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ : مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ ، فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قَرَأَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْكُوفَةِ : مَسَاجِدَ اللَّهِ ، عَلَى الْجِمَاعِ . وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ الْمَكِّيِّينَ وَالْبَصْرِيِّينَ : ( مَسْجِدَ اللَّهِ ) ، عَلَى التَّوْحِيدِ ، بِمَعْنَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهُمْ جَمِيعًا مُجْمِعُونَ عَلَى قِرَاءَةِ قَوْلِهِ : إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ ، عَلَى الْجِمَاعِ ، لِأَنَّهُ إِذَا قُرِئَ كَذَلِكَ ، احْتَمَلَ مَعْنَى الْوَاحِدِ وَالْجِمَاعِ ، لِأَنَّ الْعَرَبَ قَدْ تَذْهَبُ بِالْوَاحِدِ إِلَى الْجِمَاعِ ، وَبِالْجِمَاعِ إِلَى الْوَاحِدِ ، كَقَوْلِهِمْ : عَلَيْهِ ثَوْبٌ أَخْلَاقٌ .