الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ . . . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذِهِ الْآيَةُ حَثٌّ مِنَ اللَّهِ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - الْمُؤْمِنِينَ بِهِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِهِ عَلَى غَزْوِ الرُّومِ ، وَذَلِكَ غَزْوَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَبُوكَ . يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ صَدَّقُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ( مَا لَكُمْ ) ، أَيُّ شَيْءٍ أَمْرُكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، يَقُولُ : إِذَا قَالَ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ مُحَمَّدٌ ( انْفِرُوا ) ، أَيِ : اخْرُجُوا مِنْ مَنَازِلِكُمْ إِلَى مَغْزَاكُمْ . وَأَصْلُ النَّفْرِ ، مُفَارَقَةُ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ لِأَمْرٍ هَاجَهُ عَلَى ذَلِكَ .
وَمِنْهُ : نُفُورًا الدَّابَّةُ . غَيْرَ أَنَّهُ يُقَالُ : مِنَ النَّفْرِ إِلَى الْغَزْوِ : نَفَرَ فُلَانٌ إِلَى ثَغْرِ كَذَا يَنْفِرُ نَفْرًا وَنَفِيرًا ، وَأَحْسَبُ أَنَّ هَذَا مِنَ الْفُرُوقِ الَّتِي يُفَرِّقُونَ بِهَا بَيْنَ اخْتِلَافِ الْمُخْبَرِ عَنْهُ ، وَإِنِ اتَّفَقَتْ مَعَانِي الْخَبَرِ . فَمَعْنَى الْكَلَامِ : مَا لَكَمَ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ ، إِذَا قِيلَ لَكُمُ : اخْرُجُوا غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، أَيْ : فِي جِهَادِ أَعْدَاءِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ ، يَقُولُ : تَثَاقَلْتُمْ إِلَى لُزُومِ أَرْضِكُمْ وَمَسَاكِنِكُمْ وَالْجُلُوسِ فِيهَا .
وَقِيلَ : اثَّاقَلْتُمْ لِإِدْغَامِ التَّاءِ فِي الثَّاءِ فَأُحْدِثَتْ لَهَا أَلِفٌ؛ لِيُتَوَصَّلَ إِلَى الْكَلَامِ بِهَا ، لِأَنَّ التَّاءَ مُدْغَمَةٌ فِي الثَّاءِ . وَلَوْ أُسْقِطَتِ الْأَلِفُ ، وَابْتُدِئَ بِهَا ، لَمْ تَكُنْ إِلَّا مُتَحَرِّكَةً ، فَأُحْدِثَتِ الْأَلِفُ لِتَقَعَ الْحَرَكَةُ بِهَا ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا ، [ سُورَةُ الْأَعْرَافِ : 38 ] ، وَكَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : تُولِي الضَّجِيعَ إِذَا مَا اسْتَافَهَا خَصِرًا عَذْبَ الْمَذَاقِ ، إِذَا مَا اتَّابَعَ الْقُبَلُ [ فَهُوَ مِنْ الثِّقْلِ ، وَمَجَازُهُ مَجَازُ افْتَعَلْتُمْ ] ، مِنْ التَّثَاقُلِ . وَقَوْلُهُ : أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ ، يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ، أَرْضِيتُمْ بِحَظِّ الدُّنْيَا وَالدَّعَةِ فِيهَا ، عِوَضًا مِنْ نَعِيمِ الْآخِرَةِ ، وَمَا عِنْدَ اللَّهِ لِلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتِهِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ ، يَقُولُ : فَمَا الَّذِي يَسْتَمْتِعُ بِهِ الْمُتَمَتِّعُونَ فِي الدُّنْيَا مِنْ عَيْشِهَا وَلَذَّاتِهَا فِي نَعِيمِ الْآخِرَةِ وَالْكَرَامَةِ الَّتِي أَعَدَّهَا اللَّهُ لِأَوْلِيَائِهِ وَأَهْلِ طَاعَتِهِ ( إِلَّا قَلِيلٌ ) ، يَسِيرٌ .
يَقُولُ لَهُمْ : فَاطْلُبُوا ، أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ ، نَعِيمَ الْآخِرَةِ ، وَشَرَفَ الْكَرَامَةِ الَّتِي عِنْدَ اللَّهِ لِأَوْلِيَائِهِ ، بِطَاعَتِهِ وَالْمُسَارَعَةِ إِلَى الْإِجَابَةِ إِلَى أَمْرِهِ فِي النَّفِيرِ لِجِهَادِ عَدُوِّهِ . وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16719 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ ، أُمِرُوا بِغَزْوَةِ تَبُوكَ بَعْدَ الْفَتْحِ ، وَبَعْدَ الطَّائِفِ ، وَبَعْدَ حُنَيْنٍ ، أُمِرُوا بِالنَّفِيرِ فِي الصَّيْفِ ، حِينَ خُرِفَتِ النَّخْلُ ، وَطَابَتِ الثِّمَارُ ، وَاشْتَهَوُا الظِّلَالَ ، وَشَقَّ عَلَيْهِمُ الْمَخْرَجُ .
16720 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ الْآيَةَ ، قَالَ : هَذَا حِينَ أُمِرُوا بِغَزْوَةِ تَبُوكَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَحُنَيْنٍ وَبَعْدَ الطَّائِفِ ، أَمَرَهُمْ بِالنَّفِيرِ فِي الصَّيْفِ ، حِينَ اخْتُرِفَتِ النَّخْلُ ، وَطَابَتِ الثِّمَارُ ، وَاشْتَهَوُا الظِّلَالَ ، وَشَقَّ عَلَيْهِمُ الْمَخْرَجُ . قَالَ : فَقَالُوا : الثَّقِيلُ ، ذُو الْحَاجَةِ ، وَالضَّيْعَةِ ، وَالشُّغْلِ ، وَالْمُنْتَشِرُ بِهِ أَمْرُهُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ . فَأَنْزَلَ اللَّهُ : انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا ، [ سُورَةُ التَّوْبَةِ : 41 ]