الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ . . . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا إِعْلَامٌ مِنَ اللَّهِ أَصْحَابَ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ الْمُتَوَكِّلُ بِنَصْرِ رَسُولِهِ عَلَى أَعْدَاءِ دِينِهِ وَإِظْهَارِهِ عَلَيْهِمْ دُونَهُمْ ، أَعَانُوهُ أَوْ لَمْ يُعِينُوهُ ، وَتَذْكِيرٌ مِنْهُ لَهُمْ فِعْلَ ذَلِكَ بِهِ ، وَهُوَ مِنَ الْعَدَدِ فِي قِلَّةٍ ، وَالْعَدُوُّ فِي كَثْرَةٍ ، فَكَيْفَ بِهِ وَهُوَ مِنَ الْعَدَدِ فِي كَثْرَةٍ ، وَالْعَدُوُّ فِي قِلَّةٍ؟ يَقُولُ لَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : إِلَّا تَنْفِرُوا ، أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ ، مَعَ رَسُولِي إِذَا اسْتَنْفَرَكُمْ فَتَنْصُرُوهُ ، فَاللَّهُ نَاصِرُهُ وَمُعِينُهُ عَلَى عَدُوِّهِ وَمُغْنِيهِ عَنْكُمْ وَعَنْ مَعُونَتِكُمْ وَنُصْرَتِكُمْ؛ كَمَا نَصَرَهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ، بِاللَّهِ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ وَطَنِهِ وَدَارِهِ ثَانِيَ اثْنَيْنِ ، يَقُولُ : أَخْرَجُوهُ وَهُوَ أَحَدُ الِاثْنَيْنِ ، أَيْ : وَاحِدٌ مِنَ الِاثْنَيْنِ . وَكَذَلِكَ تَقُولُ الْعَرَبُ : هُوَ ثَانِي اثْنَيْنِ يَعْنِي : أَحَدَ الِاثْنَيْنِ ، وَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ، وَرَابِعُ أَرْبَعَةٍ ، يَعْنِي : أَحَدُ الثَّلَاثَةِ ، وَأَحَدُ الْأَرْبَعَةِ . وَذَلِكَ خِلَافُ قَوْلِهِمْ : هُوَ أَخُو سِتَّةٍ ، وَغُلَامُ سَبْعَةٍ ، لِأَنَّ الْأَخَ ، وَ الْغُلَامَ غَيْرُ السِّتَّةِ وَالسَّبْعَةِ ، وَثَالِثُ الثَّلَاثَةِ ، أَحَدُ الثَّلَاثَةِ .
وَإِنَّمَا عَنَى - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - بِقَوْلِهِ : ثَانِيَ اثْنَيْنِ ، رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، لِأَنَّهُمَا كَانَا اللَّذَيْنِ خَرَجَا هَارِبَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ إِذْ هَمُّوا بِقَتْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاخْتَفَيَا فِي الْغَارِ . وَقَوْلُهُ : إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ ، يَقُولُ : إِذْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ ، فِي الْغَارِ . وَ الْغَارُ ، النَّقْبُ الْعَظِيمُ يَكُونُ فِي الْجَبَلِ .
إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ ، يَقُولُ : إِذْ يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ لِصَاحِبِهِ أَبِي بَكْرٍ ، ( لَا تَحْزَنْ ) ، وَذَلِكَ أَنَّهُ خَافَ مِنَ الطَّلَبِ أَنْ يَعْلَمُوا بِمَكَانِهِمَا ، فَجَزِعَ مِنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَحْزَنْ ، لِأَنَّ اللَّهَ مَعَنَا وَاللَّهُ نَاصِرُنَا ، فَلَنْ يَعْلَمَ الْمُشْرِكُونَ بِنَا وَلَنْ يَصِلُوا إِلَيْنَا . يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ عَلَى عَدُوِّهِ وَهُوَ بِهَذِهِ الْحَالِ مِنَ الْخَوْفِ وَقِلَّةِ الْعَدَدِ ، فَكَيْفَ يَخْذُلُهُ وَيُحْوِجُهُ إِلَيْكُمْ ، وَقَدْ كَثَّرَ اللَّهُ أَنْصَارَهُ ، وَعَدَدَ جُنُودِهِ؟ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16725 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : إِلا تَنْصُرُوهُ ، ذَكَرَ مَا كَانَ فِي أَوَّلِ شَأْنِهِ حِينَ بَعَثَهُ .
يَقُولُ اللَّهُ : فَأَنَا فَاعِلٌ ذَلِكَ بِهِ وَنَاصِرُهُ ، كَمَا نَصَرْتُهُ إِذْ ذَاكَ وَهُوَ ثَانِي اثْنَيْنِ . 16726 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ : إِلا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ ، قَالَ : ذَكَرَ مَا كَانَ فِي أَوَّلِ شَأْنِهِ حِينَ بُعِثَ ، فَاللَّهُ فَاعِلٌ بِهِ كَذَلِكَ ، نَاصِرُهُ كَمَا نَصَرَهُ إِذْ ذَاكَ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ . 16727 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : إِلا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ ، الْآيَةَ ، قَالَ : فَكَانَ صَاحِبَهُ أَبُو بَكْرٍ ، وَأَمَّا الْغَارُ ، فَجَبَلٌ بِمَكَّةَ يُقَالُ لَهُ : ثَوْرٌ .
16728 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنَا أَبَانُ الْعَطَّارُ قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ، عَنْ عُرْوَةَ قَالَ : لَمَّا خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَكَانَ لِأَبِي بَكْرٍ مَنِيحَةٌ مِنْ غَنَمٍ تَرُوحُ عَلَى أَهْلِهِ ، فَأَرْسَلَ أَبُو بَكْرٍ عَامِرَ بْنَ فُهَيْرَةَ فِي الْغَنَمِ إِلَى ثَوْرٍ . وَكَانَ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ يَرُوحُ بِتِلْكَ الْغَنَمِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْغَارِ فِي ثَوْرٍ ، وَهُوَ الْغَارُ الَّذِي سَمَّاهُ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ . 16729 - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ جُبَيْرٍ الْوَاسِطِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَفَّانُ وَحِبَّانُ قَالَا : حَدَّثَنَا هَمَّامٌ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنْسٍ ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَدَّثَهُمْ قَالَ : بَيْنَا أَنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْغَارِ وَأَقْدَامُ الْمُشْرِكِينَ فَوْقَ رُؤُوسِنَا ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ رَفَعَ قَدَمَهُ أَبْصَرَنَا! فَقَالَ : يَا أَبَا بَكْرٍ ، مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا؟ 16730 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ شَرِيكٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : مَكَثَ أَبُو بَكْرٍ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْغَارِ ثَلَاثًا .
16731 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ : إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ ، قَالَ : فِي الْجَبَلِ الَّذِي يُسَمَّى ثَوْرًا ، مَكَثَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ ثَلَاثَ لَيَالٍ . 16732 - حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصَّدِيقَ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ حِينَ خَطَبَ قَالَ : أَيُّكُمْ يَقْرَأُ سُورَةَ التَّوْبَةِ ؟ قَالَ رَجُلٌ : أَنَا . قَالَ : اقْرَأْ ، فَلَمَّا بَلَغَ : إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ ، بَكَى أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ : أَنَا وَاللَّهِ صَاحِبُهُ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : فَأَنْـزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : فَأَنْزَلَ اللَّهُ طُمَأْنِينَتَهُ وَسُكُونَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَقَدْ قِيلَ : عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا ، يَقُولُ : وَقَوَّاهُ بِجُنُودٍ مِنْ عِنْدِهِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ ، لَمْ تَرَوْهَا أَنْتُمْ وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا ، وَهِيَ كَلِمَةُ الشِّرْكِ ( السُّفْلَى ) ، لِأَنَّهَا قُهِرَتْ وَأُذِلَّتْ ، وَأَبْطَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى ، وَمَحَقَ أَهْلَهَا ، وَكُلُّ مَقْهُورٍ وَمَغْلُوبٍ فَهُوَ أَسْفَلُ مِنَ الْغَالِبِ ، وَالْغَالِبُ هُوَ الْأَعْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ، يَقُولُ : وَدِينُ اللَّهِ وَتَوْحِيدُهُ وَقَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَهِيَ كَلِمَتُهُ ( الْعُلْيَا ) ، عَلَى الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ ، الْغَالِبَةُ ، كَمَا : - 16733 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى ، وَهِيَ : الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ، وَهِيَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ . وَقَوْلُهُ : وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ، خَبَرُ مُبْتَدَأٍ ، غَيْرُ مَرْدُودٍ عَلَى قَوْلِهِ : وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ مَعْطُوفًا عَلَى الْكَلِمَةِ الْأُولَى ، لَكَانَ نَصْبًا . وَأَمَّا قَوْلُهُ : ( وَاللَّهُ عَزِيرٌ حَكِيمٌ ) ، فَإِنَّهُ يَعْنِي : ( وَاللَّهُ عَزِيزٌ ) ، فِي انْتِقَامِهِ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ بِهِ ، لَا يَقْهَرُهُ قَاهِرٌ ، وَلَا يَغْلِبُهُ غَالِبٌ ، وَلَا يَنْصُرُ مَنْ عَاقَبَهُ نَاصِرٌ ( حَكِيمٌ ) ، فِي تَدْبِيرِهِ خَلْقَهُ ، وَتَصْرِيفِهِ إِيَّاهُمْ فِي مَشِيئَتِهِ .