الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَتِ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ : أَوَلا يَرَوْنَ . فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قَرَأَةِ الْأَمْصَارِ : أَوَلا يَرَوْنَ بِالْيَاءِ ، بِمَعْنَى : أَوَلَا يَرَى هَؤُلَاءِ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضُ النِّفَاقِ ؟ وَقَرَأَ ذَلِكَ حَمْزَةُ : أَوَلَا تَرَوْنَ بِالتَّاءِ ، بِمَعْنَى : أَوَلَا تَرَوْنَ أَنْتُمْ - أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ - أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ ؟ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ عِنْدَنَا مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ الْيَاءُ ، عَلَى وَجْهِ التَّوْبِيخِ مِنَ اللَّهِ لَهُمْ ؛ لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنْ قَرَأَةِ الْأَمْصَارِ عَلَيْهِ ، وَصِحَّةِ مَعْنَاهُ . فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذًا : أَوَلَا يَرَى هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ أَنَّ اللَّهَ يَخْتَبِرُهُمْ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ، بِمَعْنَى أَنَّهُ يَخْتَبِرُهُمْ فِي بَعْضِ الْأَعْوَامِ مَرَّةً ، وَفِي بَعْضِهَا مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ يَقُولُ : ثُمَّ هُمْ - مَعَ الْبَلَاءِ الَّذِي يَحِلُّ بِهِمْ مِنَ اللَّهِ وَالِاخْتِبَارِ الَّذِي يَعْرِضُ لَهُمْ - لَا يُنِيبُونَ مِنْ نِفَاقِهِمْ ، وَلَا يَتُوبُونَ مِنْ كُفْرِهِمْ ، وَلَا هُمْ يَتَذَكَّرُونَ بِمَا يَرَوْنَ مِنْ حُجَجِ اللَّهِ وَيُعَايِنُونَ مِنْ آيَاتِهِ ، فَيَتَّعِظُوا بِهَا ، وَلَكِنَّهُمْ مُصِرُّونَ عَلَى نِفَاقِهِمْ .
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الْفِتْنَةِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ يُفْتَنُونَ بِهَا . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : ذَلِكَ اخْتِبَارُ اللَّهِ إِيَّاهُمْ بِالْقَحْطِ وَالشِّدَّةِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17490 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ ، عَنْ وَرْقَاءَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ قَالَ : بِالسَّنَةِ وَالْجُوعِ .
17491 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : ( يُفْتَنُونَ ) قَالَ : يُبْتَلَوْنَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ قَالَ : بِالسَّنَةِ وَالْجُوعِ . 17492 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ قَالَ : يُبْتَلَوْنَ بِالْعَذَابِ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ . 17493 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ : يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ قَالَ : بِالسَّنَةِ وَالْجُوعِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَاهُ : أَنَّهُمْ يُخْتَبَرُونَ بِالْغَزْوِ وَالْجِهَادِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17494 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ قَالَ : يُبْتَلَوْنَ بِالْغَزْوِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ . 17495 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الْحَسَنِ مِثْلَهُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَاهُ : أَنَّهُمْ يُخْتَبَرُونَ بِمَا يُشِيعُ الْمُشْرِكُونَ مِنَ الْأَكَاذِيبِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابِهِ ، فَيَفْتَتِنُ بِذَلِكَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17496 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ قَالَ : حَدَّثَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي الضُّحَى ، عَنْ حُذَيْفَةَ : أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ قَالَ : كُنَّا نَسْمَعُ فِي كُلِّ عَامٍ كَذْبَةً أَوْ كَذْبَتَيْنِ ، فَيَضِلُّ بِهَا فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ كَثِيرٌ . 17497 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ شَرِيكٍ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي الضُّحَى ، عَنْ حُذَيْفَةَ ، قَالَ : كَانَ لَهُمْ فِي كُلِّ عَامٍ كَذْبَةٌ أَوْ كَذْبَتَانِ .
وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصِّحَّةِ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ اللَّهَ عَجَّبَ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ ، وَوَبَّخَ الْمُنَافِقِينَ فِي أَنْفُسِهِمْ بِقِلَّةِ تَذَكُّرِهِمْ ، وَسُوءِ تَنَبُّهِهِمْ لِمَوَاعِظِ اللَّهِ الَّتِي يَعِظُهُمْ بِهَا . وَجَائِزٌ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الْمَوَاعِظُ الشَّدَائِدَ الَّتِي يُنْزِلُهَا بِهِمْ مِنَ الْجُوعِ وَالْقَحْطِ ، وَجَائِزٌ أَنْ تَكُونَ مَا يُرِيهِمْ مِنْ نُصْرَةِ رَسُولِهِ عَلَى أَهْلِ الْكُفْرِ بِهِ ، وَيَرْزُقُهُ مِنْ إِظْهَارِ كَلِمَتِهِ عَلَى كَلِمَتِهِمْ ، وَجَائِزٌ أَنْ تَكُونَ مَا يَظْهَرُ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ نِفَاقِهِمْ وَخُبْثِ سَرَائِرِهِمْ بِرُكُونِهِمْ إِلَى مَا يَسْمَعُونَ مِنْ أَرَاجِيفِ الْمُشْرِكِينَ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابِهِ ، وَلَا خَبَرَ يُوجِبُ صِحَّةَ بَعْضِ ذَلِكَ دُونَ بَعْضٍ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهُ . وَلَا قَوْلَ فِي ذَلِكَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ مِنَ التَّسْلِيمِ لِظَاهِرِ قَوْلِ اللَّهِ وَهُوَ : أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُخْتَبَرُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ، بِمَا يَكُونُ زَاجِرًا لَهُمْ ، ثُمَّ لَا يَنْزَجِرُونَ وَلَا يَتَّعِظُونَ ؟