الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ يَقُولُ ، تَعَالَى ذِكْرُهُ : ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ ، أَيُّهَا النَّاسُ ، خَلَائِفَ مِنْ بَعْدِ هَؤُلَاءِ الْقُرُونِ الَّذِينَ أَهْلَكْنَاهُمْ لِمَا ظَلَمُوا ، تُخَلِّفُونَهُمْ فِي الْأَرْضِ ، وَتَكُونُونَ فِيهَا بَعْدَهُمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ يَقُولُ : لِيَنْظُرَ رَبُّكُمْ أَيْنَ عَمَلُكُمْ مِنْ عَمَلِ مَنْ هَلَكَ مَنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْأُمَمِ بِذُنُوبِهِمْ وَكُفْرِهِمْ بِرَبِّهِمْ ، تَحْتَذُونَ مِثَالَهُمْ فِيهِ ، فَتَسْتَحِقُّونَ مِنَ الْعِقَابِ مَا اسْتَحَقُّوا ، أَمْ تُخَالِفُونَ سَبِيلَهُمْ فَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُقِرُّونَ بِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَمَاتِ ، فَتَسْتَحِقُّونَ مِنْ رَبِّكُمُ الثَّوَابَ الْجَزِيلَ ، كَمَا : 17579 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴾ ، ذُكِرَ لَنَا أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : صَدَقَ رَبُّنَا ، مَا جَعَلَنَا خُلَفَاءَ إِلَّا لِيَنْظُرَ كَيْفَ أَعْمَالُنَا ، فَأَرُوا اللَّهَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ خَيْرًا بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ، وَالسِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ . 17580 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ عَوْفٍ أَبُو رَبِيعَةَ فَهْدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى : أَنْ عَوْفَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : رَأَيْتُ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ كَأَنَّ سَبَبًا دُلِّيَ مِنَ السَّمَاءِ ، فَانْتُشِطَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ دُلِّيَ فَانْتُشِطَ أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ ذُرِعَ النَّاسُ حَوْلَ الْمِنْبَرِ ، فَفَضَلَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِثَلَاثِ أَذْرُعٍ إِلَى الْمِنْبَرِ . فَقَالَ عُمَرُ : دَعْنَا مِنْ رُؤْيَاكَ ، لَا أَرَبَ لَنَا فِيهَا ! فَلَمَّا اسْتُخْلِفَ عُمَرُ قَالَ : يَا عَوْفُ رُؤْيَاكَ! قَالَ : وَهَلْ لَكَ فِي رُؤْيَايَ مِنْ حَاجَةٍ ؟ أَوَ لَمْ تَنْتَهِرْنِي! قَالَ : وَيْحَكَ ! إِنِّي كَرِهْتُ أَنْ تَنْعَى لِخَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفْسَهُ ! فَقَصَّ عَلَيْهِ الرُّؤْيَا ، حَتَّى إِذَا بَلَغَ : ذُرِعَ النَّاسُ إِلَى الْمِنْبَرِ بِهَذِهِ الثَّلَاثِ الْأَذْرُعِ ، قَالَ : أَمَّا إِحْدَاهُنَّ ، فَإِنَّهُ كَائِنٌ خَلِيفَةً .
وَأَمَّا الثَّانِيَةُ ، فَإِنَّهُ لَا يَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ . وَأَمَّا الثَّالِثَةُ ، فَإِنَّهُ شَهِيدٌ . قَالَ : فَقَالَ يَقُولُ اللَّهُ : ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴾ ، فَقَدِ اسْتُخْلِفْتَ يَابْنَ أُمِّ عُمَرَ فَانْظُرْ كَيْفَ تَعْمَلُ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : فَإِنِّي لَا أَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ فَمَا شَاءَ اللَّهُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : فَإِنِّي شَهِيدٌ فَأَنَّى لِعُمَرَ الشَّهَادَةُ ، وَالْمُسْلِمُونَ مُطِيفُونَ بِهِ! ثُمَّ قَالَ : إِنَّ اللَّهَ عَلَى مَا يَشَاءُ قَدِيرٌ .