الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ . . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي جَلَّ ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ ، هَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَصَفَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُمْ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ، يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا بِالَّذِي يُعْجِزُونَ رَبَّهُمْ بِهَرَبِهِمْ مِنْهُ فِي الْأَرْضِ إِذَا أَرَادَ عِقَابَهُمْ وَالِانْتِقَامَ مِنْهُمْ ، وَلَكِنَّهُمْ فِي قَبْضَتِهِ وَمُلْكِهِ ، لَا يَمْتَنِعُونَ مِنْهُ إِذَا أَرَادَهُمْ وَلَا يُفَوِّتُونَهُ هَرَبًا إِذَا طَلَبَهُمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَقُولُ : وَلَمْ يَكُنْ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ إِذَا أَرَادَ عِقَابَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارٌ يَنْصُرُونَهُمْ مِنَ اللَّهِ ، وَيَحُولُونَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ إِذَا هُوَ عَذَّبَهُمْ ، وَقَدْ كَانَتْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا مَنَعَةٌ يَمْتَنِعُونَ بِهَا مِمَّنْ أَرَادَهُمْ مِنَ النَّاسِ بِسُوءٍ ، وَقَوْلُهُ : يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ ، يَقُولُ ، تَعَالَى ذِكْرُهُ : يُزَادُ فِي عَذَابِهِمْ ، فَيُجْعَلُ لَهُمْ مَكَانُ الْوَاحِدِ اثْنَانِ . وَقَوْلُهُ : مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ ، فَإِنَّهُ اخْتُلِفَ فِي تَأْوِيلِهِ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : ذَلِكَ وَصَفَ اللَّهِ بِهِ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ أَنَّهُ قَدْ خَتَمَ عَلَى سَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ ، وَأَنَّهُمْ لَا يَسْمَعُونَ الْحَقَّ ، وَلَا يُبْصِرُونَ حُجَجَ اللَّهِ ، سَمَاعَ مُنْتَفِعٍ ، وَلَا إِبْصَارَ مُهْتَدٍ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18092 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ صُمٌّ عَنِ الْحَقِّ فَمَا يَسْمَعُونَهُ ، بُكْمٌّ فَمَا يَنْطِقُونَ بِهِ ، عُمْيٌّ فَلَا يُبَصِّرُونَهُ ، وَلَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ 18093 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ : مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ ، قَالَ : مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَسْمَعُوا خَيْرًا فَيَنْتَفِعُوا بِهِ ، وَلَا يُبْصِرُوا خَيْرًا فَيَأْخُذُوا بِهِ 18094 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ عَنْ عَلِيٍّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : أَخْبَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ حَالَ بَيْنَ أَهْلِ الشِّرْكِ ، وَبَيْنَ طَاعَتِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ . أَمَّا فِي الدُّنْيَا ، فَإِنَّهُ قَالَ : مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ ، وَهِيَ طَاعَتُهُ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ . وَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ ، فَإِنَّهُ قَالَ : فَلا يَسْتَطِيعُونَ خَاشِعَةً ، [ سُورَةُ الْقَلَمِ : 42 ، 43 ] .
وَقَالَ آخَرُونَ : إِنَّمَا عَنَى بِقَوْلِهِ : وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ، آلِهَةُ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ . وَقَالُوا : مَعْنَى الْكَلَامِ : أُولَئِكَ وَآلِهَتُهُمْ ، لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ ، يَعْنِي الْآلِهَةَ ، أَنَّهَا لَمْ يَكُنْ لَهَا سَمْعٌ وَلَا بَصَرٌ . وَهَذَا قَوْلٌ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ وَجْهٍ كَرِهْتُ ذِكْرَهُ لِضَعْفِ سَنَدِهِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : يُضَاعِفُ لَهُمُ الْعَذَابَ بِمَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَلَا يَسْمَعُونَهُ ، وَبِمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ وَلَا يَتَأَمَّلُونَ حُجَجَ اللَّهِ بِأَعْيُنِهِمْ فَيَعْتَبِرُوا بِهَا . قَالُوا : وَ الْبَاءُ كَانَ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تَدْخُلَ ، لِأَنَّهُ قَدْ قَالَ : وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ، [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 10 ] ، بِكَذِبِهِمْ ، فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنَ التَّنْزِيلِ أُدْخِلَتْ فِيهِ الْبَاءُ وَسُقُوطُهَا جَائِزٌ فِي الْكَلَامِ كَقَوْلِكَ فِي الْكَلَامِ : لَأَجْزِيَنَّكَ مَا عَلِمْتُ ، وَبِمَا عَلِمْتُ وَهَذَا قَوْلٌ قَالَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا ، مَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ مِنْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ وَصَفَهُمْ بِأَنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَسْمَعُوا الْحَقَّ سَمَاعَ مُنْتَفِعٍ ، وَلَا يُبْصِرُونَهُ إِبْصَارَ مُهْتَدٍ ، لِاشْتِغَالِهِمْ بِالْكُفْرِ الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ مُقِيمِينَ ، عَنِ اسْتِعْمَالِ جَوَارِحِهِمْ فِي طَاعَةِ اللَّهِ ، وَقَدْ كَانَتْ لَهُمْ أَسْمَاعٌ وَأَبْصَارٌ .