الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا . . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ ، تَعَالَى ذِكْرُهُ : فَقَالَ الْكُبَرَاءُ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ وَأَشْرَافِهِمْ وَهُمُ ( الْمَلَأُ ) ، الَّذِينَ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَجَحَدُوا نُبُوَّةَ نَبِيِّهِمْ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ ( مَا نَرَاكَ ) ، يَا نُوحُ إِلا بَشَرًا مِثْلَنَا ، يَعْنُونَ بِذَلِكَ أَنَّهُ آدَمِيٌّ مِثْلُهُمْ فِي الْخَلْقِ وَالصُّورَةِ وَالْجِنْسِ ، كَأَنَّهُمْ كَانُوا مُنْكِرِينَ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ يُرْسِلُ مِنَ الْبَشَرِ رَسُولًا إِلَى خَلْقِهِ . وَقَوْلُهُ : وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ ، يَقُولُ : وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ سَفَلَتُنَا مِنَ النَّاسِ ، دُونَ الْكُبَرَاءِ وَالْأَشْرَافِ ، فِيمَا نَرَى وَيَظْهَرُ لَنَا . وَقَوْلُهُ : بَادِيَ الرَّأْيِ ، اخْتَلَفَتِ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَتِهِ .
فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْعِرَاقِ : بَادِيَ الرَّأْيِ ، بِغَيْرِ هَمْزٍ الْبَادِي وَبِهَمْزِ الرَّأْيِ بِمَعْنَى : ظَاهِرِ الرَّأْيِ ، مِنْ قَوْلِهِمْ : بَدَا الشَّيْءُ يَبْدُو ، إِذَا ظَهَرَ ، كَمَا قَالَ الرَّاجِزُ : أَضْحَى لِخَالِي شَبَهِي بَادِي بَدِي وَصَارَ لِلْفَحْلِ لِسَانِي وَيَدِي بَادِي بَدِي بِغَيْرِ هَمْزٍ ، وَقَالَ آخَرُ : وَقَدْ عَلَتْنِي ذُرْأَةٌ بَادِي بَدِي وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ : ( بَادِئَ الرَّأْيِ ) ، مَهْمُوزًا أَيْضًا ، بِمَعْنَى : مُبْتَدَأُ الرَّأْيِ ، مِنْ قَوْلِهِمْ : بَدَأَتْ بِهَذَا الْأَمْرِ إِذَا ابْتَدَأَتْ بِهِ قَبْلَ غَيْرِهِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ : بَادِيَ الرَّأْيِ بِغَيْرِ هَمْزٍ الْبَادِي وَبِهَمْزِ الرَّأْيِ لِأَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ الْكَلَامِ : إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا ، فِي ظَاهِرِ الرَّأْيِ ، وَفِيمَا يَظْهَرُ لَنَا . وَقَوْلُهُ : وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ ، يَقُولُ : وَمَا نَتَبَيَّنُ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ نِلْتُمُوهُ بِمُخَالَفَتِكُمْ إِيَّانَا فِي عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَإِخْلَاصِ الْعُبُودَةِ لَهُ ، فَنَتَّبِعُكُمْ طَلَبَ ذَلِكَ الْفَضْلِ ، وَابْتِغَاءَ مَا أَصَبْتُمُوهُ بِخِلَافِكُمْ إِيَّانَا بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ .
وَهَذَا خِطَابٌ مِنْهُمْ لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ إِنَّمَا كَذَّبُوا نُوحًا دُونَ أَتْبَاعِهِ ، لِأَنَّ أَتْبَاعَهُ لَمْ يَكُونُوا رُسُلًا . وَأَخْرَجَ الْخِطَابَ - وَهُوَ وَاحِدٌ - مُخْرَجَ خِطَابِ الْجَمِيعِ ، كَمَا قِيلَ : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ ، [ سُورَةُ الطَّلَاقِ : 1 ] . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ : بَلْ نَظُنُّكَ ، يَا نُوحُ ، فِي دَعْوَاكَ أَنَّ اللَّهَ ابْتَعَثَكَ إِلَيْنَا رَسُولًا كَاذِبًا .
وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ بَادِيَ الرَّأْيِ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18105 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ ، قَالَ : فِيمَا ظَهَرَ لَنَا