الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ "
) ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾( 18 ) يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَالْأَصْنَامِ : أَفَمَنْ يَخْلُقُ هَذِهِ الْخَلَائِقَ الْعَجِيبَةَ الَّتِي عَدَدْنَاهَا عَلَيْكُمْ وَيُنْعِمُ عَلَيْكُمْ هَذِهِ النِّعَمَ الْعَظِيمَةَ ، كَمَنْ لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَلَا يُنْعِمُ عَلَيْكُمْ نِعْمَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً؟ يَقُولُ : أَتُشْرِكُونَ هَذَا فِي عِبَادَةِ هَذَا؟ يُعَرِّفُهُمْ بِذَلِكَ عِظَمَ جَهْلِهِمْ ، وَسُوءَ نَظَرِهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ ، وَقِلَّةَ شُكْرِهِمْ لِمَنْ أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِالنِّعَمِ الَّتِي عَدَّدَهَا عَلَيْهِمْ ، الَّتِي لَا يُحْصِيهَا أَحَدٌ غَيْرُهُ ، قَالَ لَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ مُوَبِّخَهُمْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ أَيُّهَا النَّاسُ يَقُولُ : أَفَلَا تَذَكَّرُونَ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ، وَعَظِيمَ سُلْطَانِهِ وَقُدْرَتَهُ عَلَى مَا شَاءَ ، وَعَجْزَ أَوْثَانِكُمْ وَضَعْفَهَا وَمَهَانَتَهَا ، وَأَنَّهَا لَا تَجْلِبُ إِلَى نَفْسِهَا نَفْعًا وَلَا تَدْفَعُ عَنْهَا ضُرًّا ، فَتَعْرِفُوا بِذَلِكَ خَطَأَ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مُقِيمُونَ مِنْ عِبَادَتِكُمُوهَا وَإِقْرَارِكُمْ لَهَا بِالْأُلُوهَةِ؟ كَمَا حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ ﴾ وَاللَّهُ هُوَ الْخَالِقُ الرَّازِقُ ، وَهَذِهِ الْأَوْثَانُ الَّتِي تُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ تُخْلَقُ وَلَا تَخْلُقُ شَيْئًا ، وَلَا تَمْلِكُ لِأَهْلِهَا ضُرًّا وَلَا نَفْعًا ، قَالَ اللَّهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ . وَقِيلَ كَمَنْ لا يَخْلُقُ هُوَ الْوَثَنُ وَالصَّنَمُ ، وَ مَنْ لِذَوِي التَّمْيِيزِ خَاصَّةً ، فَجُعِلَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لِغَيْرِهِمْ لِلتَّمْيِيزِ ، إِذْ وَقَعَ تَفْصِيلًا بَيْنَ مَنْ يَخْلُقُ وَمَنْ لَا يَخْلُقُ ، وَمَحْكِيٌّ عَنِ الْعَرَبِ : اشْتَبَهَ عَلَيَّ الرَّاكِبُ وَجَمَلُهُ ، فَمَا أَدْرَى مَنْ ذَا وَمَنْ ذَا ، حَيْثُ جُمِعَا ، وَأَحَدُهُمَا إِنْسَانٌ حَسُنَتْ مَنْ فِيهِمَا جَمِيعًا . وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ وَقَوْلُهُ : وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا لَا تُطِيقُوا أَدَاءَ شُكْرِهَا ، إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ لِمَا كَانَ مِنْكُمْ مِنْ تَقْصِيرٍ فِي شُكْرِ بَعْضِ ذَلِكَ إِذَا تُبْتُمْ وَأَنَبْتُمْ إِلَى طَاعَتِهِ وَاتِّبَاعِ مَرْضَاتِهِ ، رَحِيمٌ بِكُمْ أَنْ يُعَذِّبَكُمْ عَلَيْهِ بَعْدَ الْإِنَابَةِ إِلَيْهِ وَالتَّوْبَةِ .