الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلَا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا . . . "
) يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ بَيْنَكُمْ دَخَلَا وَخَدِيعَةً بَيْنَكُمْ ، تَغُرُّونَ بِهَا النَّاسَ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا يَقُولُ : فَتَهْلِكُوا بَعْدَ أَنْ كُنْتُمْ مِنَ الْهَلَاكِ آمِنِينَ . وَإِنَّمَا هَذَا مَثَلٌ لِكُلِّ مُبْتَلًى بَعْدَ عَافِيَةٍ ، أَوْ سَاقِطٍ فِي وَرْطَةٍ بَعْدَ سَلَامَةٍ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ : ( زَلَّتْ قَدَمُهُ ) ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : سَيَمْنَعُ مِنْكَ السَّبْقُ إِنْ كُنْتَ سَابِقًا وَتُطْلَعُ إِنْ زَلَّتْ بِكَ النَّعْلَانِ وَقَوْلُهُ : وَتَذُوقُوا السُّوءَ يَقُولُ : وَتَذُوقُوا أَنْتُمُ السُّوءَ وَذَلِكَ السُّوءُ : هُوَ عَذَابُ اللَّهِ الَّذِي يُعَذِّبُ بِهِ أَهْلَ مَعَاصِيهِ فِي الدُّنْيَا ، وَذَلِكَ بَعْضُ مَا عَذَّبَ بِهِ أَهْلَ الْكُفْرِ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يَقُولُ : بِمَا فَتَنْتُمْ مَنْ أَرَادَ الْإِيمَانَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ عَنِ الْإِيمَانِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ فِي الْآخِرَةِ ، وَذَلِكَ نَارُ جَهَنَّمَ ، وَهَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَأْوِيلَ بُرَيْدَةَ الَّذِي ذَكَرْنَا عَنْهُ ، فِي قَوْلِهِ وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَالْآيَاتِ الَّتِي بَعْدَهَا ، أَنَّهُ عَنَى بِذَلِكَ : الَّذِينَ بَايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْإِسْلَامِ ، عَنْ مُفَارَقَةِ الْإِسْلَامِ لِقِلَّةِ أَهْلِهِ ، وَكَثْرَةِ أَهْلِ الشِّرْكِ هُوَ الصَّوَابُ ، دُونَ الَّذِي قَالَ مُجَاهِدٌ أَنَّهُمْ عَنَوْا بِهِ ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي انْتِقَالِ قَوْمٍ تَحَالَفُوا عَنْ حُلَفَائِهِمْ إِلَى آخَرِينَ غَيْرِهِمْ ، صَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا ضَلَالٌ عَنِ الْهُدَى ، وَقَدْ وَصَفَ تَعَالَى ذِكْرُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَاعِلِي ذَلِكَ ، أَنَّهُمْ بِاتِّخَاذِهِمُ الْأَيْمَانُ دَخَلًا بَيْنَهُمْ ، وَنَقْضِهِمُ الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا ، صَادُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ، وَأَنَّهُمْ أَهْلُ ضَلَالٍ فِي الَّتِي قَبْلَهَا ، وَهَذِهِ صِفَةُ أَهْلِ الْكُفْرِ بِاللَّهِ لَا صِفَةُ أَهْلِ النُّقْلَةِ بِالْحَلِفِ عَنْ قَوْمٍ إِلَى قَوْمٍ .