الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ . . . "
) ) اخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ فَتَكُونُ تَصِفُ الْكَذِبَ ، بِمَعْنَى : وَلَا تَقُولُوا لِوَصْفِ أَلْسِنَتِكُمُ الْكَذِبَ ، فَتَكُونُ مَا بِمَعْنَى الْمَصْدَرِ . وَذُكِرَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ قَرَأَ وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا بِخَفْضِ الْكَذِبِ ، بِمَعْنَى : وَلَا تَقُولُوا لِلْكَذِبِ الَّذِي تَصِفُهُ أَلْسِنَتُكُمْ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ فَيَجْعَلُ الْكَذِبَ تَرْجَمَةً عَنْ مَا الَّتِي فِي لِمَا ، فَتَخْفِضُهُ بِمَا تُخْفَضُ بِهِ مَا . وَقَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ : لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ يَرْفَعُ الْكَذِبَ ، فَيَجْعَلُ الْكَذِبَ مِنْ صِفَةِ الْأَلْسِنَةِ ، وَيُخَرِّجُ عَلَى فِعْلٍ عَلَى أَنَّهُ جَمْعُ كَذُوبٍ وَكُذُبٍ ، مِثْلُ شُكُورٍ وَشُكُرٍ .
وَالصَّوَابُ عِنْدِي مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ نَصْبُ الْكَذِبِ لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَيْهِ ، فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ لِمَا ذَكَرْنَا : وَلَا تَقُولُوا لِوَصْفِ أَلْسِنَتِكُمُ الْكَذِبَ فِيمَا رَزَقَ اللَّهُ عِبَادَهُ مِنَ الْمَطَاعِمِ : هَذَا حَلَالٌ ، وَهَذَا حَرَامٌ ، كَيْ تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ بِقِيلِكُمْ ذَلِكَ الْكَذِبَ ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يُحَرِّمْ مِنْ ذَلِكَ مَا تُحَرِّمُونَ ، وَلَا أَحَلَّ كَثِيرًا مِمَّا تُحِلُّونَ ، ثُمَّ تَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ بِالْوَعِيدِ عَلَى كَذِبِهِمْ عَلَيْهِ ، فَقَالَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَقُولُ : إِنَّ الَّذِينَ يَتَخَرَّصُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَيَخْتَلِقُونَهُ ، لَا يَخْلُدُونَ فِي الدُّنْيَا ، وَلَا يَبْقَوْنَ فِيهَا ، إِنَّمَا يَتَمَتَّعُونَ فِيهَا قَلِيلًا . وَقَالَ ( مَتَاعٌ قَلِيلٌ ) فَرَفَعَ ، لِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي هُمْ فِيهِ مِنْ هَذِهِ الدُّنْيَا مَتَاعٌ قَلِيلٌ ، أَوْ لَهُمْ مَتَاعٌ قَلِيلٌ فِي الدُّنْيَا . وَقَوْلُهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ يَقُولُ : ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ وَمَعَادُهُمْ ، وَلَهُمْ عَلَى كَذِبِهِمْ وَافْتِرَائِهِمْ عَلَى اللَّهِ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ عَذَابٌ عِنْدَ مَصِيرِهِمْ إِلَيْهِ أَلِيمٌ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ فِي الْبَحِيرَةِ وَالسَّائِبَةِ . حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَالَ : الْبَحَائِرُ وَالسَّوَائِبُ .