الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ . . . "
) ﴿وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾( 10 ) يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ الَّذِي أَنْزَلْنَاهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرْشِدُ وَيُسَدِّدُ مَنِ اهْتَدَى بِهِ لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ يَقُولُ : لِلسَّبِيلِ الَّتِي هِيَ أَقْوَمُ مِنْ غَيْرِهَا مِنَ السُّبُلِ ، وَذَلِكَ دِينُ اللَّهِ الَّذِي بَعَثَ بِهِ أَنْبِيَاءَهُ وَهُوَ الْإِسْلَامُ ، يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : فَهَذَا الْقُرْآنُ يَهْدِي عِبَادَ اللَّهِ الْمُهْتَدِينَ بِهِ إِلَى قَصْدِ السَّبِيلِ الَّتِي ضَلَّ عَنْهَا سَائِرُ أَهْلِ الْمِلَلِ الْمُكَذِّبِينَ بِهِ . كَمَا حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ قَالَ : الَّتِي هِيَ أَصْوَبُ : هُوَ الصَّوَابُ وَهُوَ الْحَقُّ; قَالَ : وَالْمُخَالِفُ هُوَ الْبَاطِلُ . وَقَرَأَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى ( ﴿فَيِهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ ﴾) قَالَ : فِيهَا الْحَقُّ لَيْسَ فِيهَا عِوَجٌ .
وَقَرَأَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا قَيِّمًا يَقُولُ : قَيِّمًا مُسْتَقِيمًا . وَقَوْلُهُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ يَقُولُ : وَيُبَشِّرُ أَيْضًا مَعَ هِدَايَتِهِ مَنِ اهْتَدَى بِهِ لِلسَّبِيلِ الْأَقْصَدِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ، وَيَعْمَلُونَ فِي دُنْيَاهُمْ بِمَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ ، وَيَنْتَهُونَ عَمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ بِأَنَّ لَهُمْ أَجْرًا مِنَ اللَّهِ عَلَى إِيمَانِهِمْ وَعَمَلِهِمُ الصَّالِحَاتِ ( كَبِيرًا ) يَعْنِي ثَوَابًا عَظِيمًا ، وَجَزَاءً جَزِيلًا وَذَلِكَ هُوَ الْجَنَّةُ الَّتِي أَعَدَّهَا اللَّهُ تَعَالَى لِمَنْ رَضِيَ عَمَلَهُ . كَمَا حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا قَالَ : الْجَنَّةُ ، وَكُلُّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ أَجْرٌ كَبِيرٌ ، أَجْرٌ كَرِيمٌ ، وَرِزْقٌ كَرِيمٌ فَهُوَ الْجَنَّةُ ، وَأَنَّ فِي قَوْلِهِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا نُصِبَ بِوُقُوعِ الْبِشَارَةِ عَلَيْهَا ، وَأَنَّ الثَّانِيَةَ مَعْطُوفَةٌ عَلَيْهَا .
وَقَوْلُهُ وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُصَدِّقُونَ بِالْمَعَادِ إِلَى اللَّهِ ، وَلَا يُقِرُّونَ بِالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ فِي الدُّنْيَا ، فَهُمْ لِذَلِكَ لَا يَتَحَاشَوْنَ مِنْ رُكُوبِ مَعَاصِي اللَّهِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ يَقُولُ : أَعْدَدْنَا لَهُمْ ، لِقُدُومِهِمْ عَلَى رَبِّهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابًا أَلِيمًا يَعْنِي مُوجِعًا ، وَذَلِكَ عَذَابُ جَهَنَّمَ .