الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا "
) ﴿هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا ﴾( 44 ) يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَلَمْ يَكُنْ لِصَاحِبِ هَاتَيْنِ الْجَنَّتَيْنِ فِئَةٌ ، وَهُمُ الْجَمَاعَةُ ، كَمَا قَالَ عَجَّاجٌ : كَمَا يَحُوزُ الْفِئَةُ الْكَمِيُّ وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ ، قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ ، وَإِنْ خَالَفَ بَعْضُهُمْ فِي الْعِبَارَةِ عَنْهُ عِبَارَتَنَا ، فَإِنَّ مَعْنَاهُمْ نَظِيرُ مَعْنَانَا فِيهِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى ح ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ : عَشِيرَتُهُ . حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، مِثْلَهُ .
حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ : أَيْ جُنْدٌ يَنْصُرُونَهُ ، وَقَوْلُهُ : يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ يَقُولُ : يَمْنَعُونَهُ مِنْ عِقَابِ اللَّهِ وَعَذَابِ اللَّهِ إِذَا عَاقَبَهُ وَعَذَّبَهُ . وَقَوْلُهُ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا يَقُولُ : وَلَمْ يَكُنْ مُمْتَنِعًا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ إِذَا عَذَّبَهُ . كَمَا حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا : أَيْ مُمْتَنِعًا .
وَقَوْلُهُ : هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ يَقُولُ عَزَّ ذِكْرُهُ : ثُمَّ وَذَلِكَ حِينَ حَلَّ عَذَابُ اللَّهِ بِصَاحِبِ الْجَنَّتَيْنِ فِي الْقِيَامَةِ . وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ الْوَلَايَة ، فَقَرَأَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ هُنَالِكَ الْوَلايَةُ بِفَتْحِ الْوَاوِ مِنَ الْوِلَايَةِ ، يَعْنُونَ بِذَلِكَ : هُنَالِكَ الْمُوَالَاةُ لِلَّهِ ، كَقَوْلِ اللَّهِ : اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَقَوْلِهِ : ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا يَذْهَبُونَ بِهَا إِلَى الْوَلَايَةِ فِي الدِّينِ . وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ ( هُنَالِكَ الْوِلَايَةُ ) بِكَسْرِ الْوَاوِ : مِنَ الْمُلْكِ وَالسُّلْطَانِ ، مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : وَلِيتُ عَمَلَ كَذَا ، أَوْ بَلْدَةَ كَذَا أَلِيهِ وِلَايَةً .
وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ ، قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ بِكَسْرِ الْوَاوِ ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ عَقِبَ ذَلِكَ خَبَّرَهُ عَنْ مُلْكِهِ وَسُلْطَانِهِ ، وَأَنَّ مَنْ أَحَلَّ بِهِ نِقْمَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَلَا نَاصِرَ لَهُ يَوْمَئِذٍ ، فَإِتْبَاعُ ذَلِكَ الْخَبَرِ عَنِ انْفِرَادِهِ بِالْمَمْلَكَةِ وَالسُّلْطَانِ أَوْلَى مِنَ الْخَبَرِ عَنِ الْمُوَالَاةِ الَّتِي لَمَّ يَجْرِ لَهَا ذِكْرٌ وَلَا مَعْنَى ، لِقَوْلِ مَنْ قَالَ : لَا يُسَمَّى سُلْطَانُ اللَّهُ وِلَايَةً ، وَإِنَّمَا يُسَمَّى ذَلِكَ سُلْطَانُ الْبَشَرِ ، لِأَنَّ الْوِلَايَةَ مَعْنَاهَا أَنَّهُ يَلِي أَمْرَ خَلْقِهِ مُنْفَرِدًا بِهِ دُونَ جَمِيعِ خَلْقِهِ ، لَا أَنَّهُ يَكُونُ أَمِيرًا عَلَيْهِمْ . وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ ( الْحَقِّ ) فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْعِرَاقِ خَفْضًا ، عَلَى تَوْجِيهِهِ إِلَى أَنَّهُ مِنْ نَعْتِ اللَّهِ ، وَإِلَى أَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ : هُنَالِكَ الْوِلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ أُلُوهِيَّتُهُ ، لَا الْبَاطِلُ بِطُولِ أُلُوهِيَّتِهِ الَّتِي يَدَّعُونَهَا الْمُشْرِكُونَ بِاللَّهِ آلِهَةً ، وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَبَعْضُ مُتَأَخِّرِي الْكُوفِيِّينَ لِلَّهِ الْحَقِّ بِرَفْعِ الْحَقِّ تَوْجِيهًا مِنْهُمَا إِلَى أَنَّهُ مِنْ نَعْتِ الْوِلَايَةِ ، وَمَعْنَاهُ : هُنَالِكَ الْوِلَايَةُ الْحَقُّ ، لَا الْبَاطِلُ لِلَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ . وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ عِنْدِي فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ ، قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَهُ خَفْضًا عَلَى أَنَّهُ مِنْ نَعْتِ اللَّهَ ، وَأَنَّ مَعْنَاهُ مَا وَصَفْتُ عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَهُ كَذَلِكَ .
وَقَوْلُهُ : هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا يَقُولُ عَزَّ ذِكْرُهُ : خَيْرٌ لِلْمُنِيبِينَ فِي الْعَاجِلِ وَالْآجِلِ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا يَقُولُ : وَخَيْرُهُمْ عَاقِبَةً فِي الْآجِلِ إِذَا صَارَ إِلَيْهِ الْمُطِيعُ لَهُ ، الْعَامِلُ بِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ ، وَالْمُنْتَهِي عَمَّا نَهَاهُ اللَّهُ عَنْهُ ، وَالْعَقِبُ هُوَ الْعَاقِبَةُ ، يُقَالُ : عَاقِبَةُ أَمْرِ كَذَا وَعُقْبَاهُ وعَقِبُهُ ، وَذَلِكَ آخِرُهُ وَمَا يَصِيرُ إِلَيْهِ مُنْتَهَاهُ . وَقَدِ اخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ ( عُقْبًا ) بِضَمِّ الْعَيْنِ وَتَسْكِينِ الْقَافِ . وَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا ، أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مُسْتَفِيضَتَانِ فِي قِرَاءَةِ الْأَمْصَارِ بِمَعْنَى وَاحِدٍ ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ .