الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا "
) ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا ﴾( 53 ) يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَنَادَيْنَا مُوسَى مِنْ نَاحِيَةِ الْجَبَلِ ، وَيَعْنِي بِالْأَيْمَنِ : يَمِينَ مُوسَى ، لِأَنَّ الْجَبَلَ لَا يَمِينَ لَهُ وَلَا شِمَالَ ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ كَمَا يُقَالُ : قَامَ عَنْ يَمِينِ الْقِبْلَةِ وَعَنْ شِمَالِهَا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، فِي قَوْلِهِ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ قَالَ : جَانِبُ الْجَبَلِ الْأَيْمَنِ .
وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الطُّورِ وَاخْتِلَافَ الْمُخْتَلِفِينَ فِيهِ ، وَدَلَّلْنَا عَلَى الصَّوَابِ مِنَ الْقَوْلِ فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ . وَقَوْلُهُ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَأَدْنَيْنَاهُ مُنَاجِيًا ، كَمَا يُقَالُ : فُلَانٌ نَدِيمُ فُلَانٍ وَمُنَادَمُهُ ، وَجَلِيسُ فُلَانٍ وَمُجَالِسُهُ . وَذُكِرَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَدْنَاهُ ، حَتَّى سَمِعَ صَرِيفَ الْقَلَمِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : ثَنَا يَحْيَى ، قَالَ : ثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا قَالَ : أُدْنِيَ حَتَّى سَمِعَ صَرِيفَ الْقَلَمِ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ الطُوسِيُّ ، قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بَكْرٍ ، قَالَ : ثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، قَالَ : أَرَاهُ عَنْ مُجَاهِدٍ ، فِي قَوْلِهِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا قَالَ : بَيْنَ السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ ، أَوْ قَالَ : السَّابِعَةُ ، وَبَيْنَ الْعَرْشِ سَبْعُونَ أَلْفَ حِجَابٍ : حِجَابُ نُورٍ ، وَحِجَابُ ظَلَمَةٍ ، وَحِجَابُ نُورٍ ، وَحِجَابُ ظَلَمَةٍ; فَمَا زَالَ يُقَرِّبُ مُوسَى حَتَّى كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ حِجَابٌ ، وَسَمِعَ صَرِيفَ الْقَلَمِ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ . حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ ، قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ ، قَالَ : قَرَّبَهُ مِنْهُ حَتَّى سَمِعَ صَرِيفَ الْقَلَمِ .
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ مَيْسَرَةَ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا قَالَ : أُدْنِيَ حَتَّى سَمِعَ صَرِيفَ الْقَلَمِ فِي اللَّوْحِ ، وَقَالَ شُعْبَةُ : أَرْدَفَهُ جِبْرَائِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ . وَقَالَ قَتَادَةُ فِي ذَلِكَ ، مَا حَدَّثَنَا بِهِ الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، فِي قَوْلِهِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا قَالَ : نَجَا بِصِدْقِهِ . وَقَوْلُهُ وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ يَقُولُ : وَوَهَبَنَا لِمُوسَى رَحْمَةً مِنَّا أَخَاهُ هَارُونَ ( نَبِيًّا ) يَقُولُ أيَّدْنَاهُ بِنُبُوَّتِهِ ، وَأَعَنَّاهُ بِهَا .
كَمَا حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ دَاوُدَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : قَوْلُهُ ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا ﴾ قَالَ : كَانَ هَارُونُ أَكْبَرَ مِنْ مُوسَى ، وَلَكِنْ أَرَادَ وَهْبَ لَهُ نُبُوَّتَهُ .