الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى "
) ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي ﴾( 14 ) اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ الْقُرَّاءِ الَّذِينَ قَرَءُوا وَأَنَّا بِتَشْدِيدِ النُّونِ ، وَ ( أَنَا ) بِفَتْحِ الْأَلِفِ مِنْ أَنَا رَدًّا عَلَى : نُودِيَ يَا مُوسَى ، كَأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ عِنْدَهُمْ : نُودِيَ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ ، وَأَنَا اخْتَرْتُكَ ، وَبِهَذِهِ الْقِرَاءَةِ قَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ . وَأَمَّا عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ وَبَعْضُ أَهْلِ الْكُوفَةِ فَقَرَءُوهُ : وَأَنَا اخْتَرْتُكَ بِتَخْفِيفِ النُّونِ عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ مِنَ اللَّهِ عَنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ اخْتَارَهُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يُقَالَ : إِنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ قَدْ قَرَأَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا قُرَّاءُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْقُرْآنِ ، مَعَ اتِّفَاقِ مَعْنَيَيْهِمَا ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ الصَّوَابَ فِيهِ ، وَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ : نُودِيَ أَنَّا اخْتَرْنَاكَ .
فَاجْتَبَيْنَاكَ لِرِسَالَتِنَا إِلَى مَنْ نُرْسِلُكَ إِلَيْهِ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى يَقُولُ : فَاسْتَمِعْ لِوَحْيِنَا الَّذِي نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَعِهِ ، وَاعْمَلْ بِهِ . إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : إِنَّنِي أَنَا الْمَعْبُودُ الَّذِي لَا تَصْلُحُ الْعِبَادَةُ إِلَّا لَهُ ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَلَا تَعْبُدْ غَيْرِي ، فَإِنَّهُ لَا مَعْبُودَ تَجُوزُ أَوْ تَصْلُحُ لَهُ الْعِبَادَةُ سِوَايَ ( فَاعْبُدْنِي ) يَقُولُ : فَأَخْلِصِ الْعِبَادَةَ لِي دُونَ كُلِّ مَا عُبِدَ مِنْ دُونِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَى ذَلِكَ : أَقِمِ الصَّلَاةَ لِي فَإِنَّكَ إِذَا أَقَمْتَهَا ذَكَرْتَنِي .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، فِي قَوْلِهِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي قَالَ : إِذَا صَلَّى ذَكَرَ رَبَّهُ . حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَوْلُهُ وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي قَالَ : إِذَا ذَكَرَ عَبَدَ رَبَّهُ . قَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : وَأَقِمِ الصَّلَاةَ حِينَ تَذْكُرُهَا .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ مُغِيرَةَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ فِي قَوْلِهِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي قَالَ : يُصَلِّيهَا حِينَ يَذْكُرُهَا . حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَهْبٍ ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : ثَنِي يُونُسُ وَمَالِكُ بْنُ شِهَابٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا ، قَالَ اللَّهُ وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي . وَكَانَ الزُّهْرِيُّ يَقْرَؤُهَا : وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرَى بِمَنْزِلَةِ فِعْلَى .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ تَأْوِيلُ مَنْ قَالَ : مَعْنَاهُ : أَقِمِ الصَّلَاةَ لِتَذْكُرَنِي فِيهَا ، لِأَنَّ ذَلِكَ أَظْهَرُ مَعْنَيَيْهِ ، وَلَوْ كَانَ مَعْنَاهُ : حِينَ تَذْكُرُهَا ، لَكَانَ التَّنْزِيلُ : أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِكَهَا . وَفِي قَوْلِهِ : ( لِذِكْرِي ) دَلَالَةٌ بَيِّنَةٌ عَلَى صِحَّةِ مَا قَالَ مُجَاهِدٌ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ ، وَلَوْ كَانَتِ الْقِرَاءَةُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا عَنِ الزُّهْرِيِّ قِرَاءَةً مُسْتَفِيضَةً فِي قِرَاءَةِ الْأَمْصَارِ ، كَانَ صَحِيحًا تَأْوِيلُ مَنْ تَأَوَّلَهُ بِمَعْنَى : أَقِمِ الصَّلَاةَ حِينَ تَذْكُرُهَا ، وَذَلِكَ أَنَّ الزُّهْرِيَّ وَجَّهَ بِقِرَاءَتِهِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرَى بِالْأَلِفِ لَا بِالْإِضَافَةِ ، إِلَى أَقِمْ لِذِكْرَاهَا ، لِأَنَّ الْهَاءَ وَالْأَلِفَ حُذِفَتَا ، وَهُمَا مُرَادَتَانِ فِي الْكَلَامِ لِيُوَفِّقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ سَائِرِ رُءُوسِ الْآيَاتِ ، إِذْ كَانَتْ بِالْأَلِفِ وَالْفَتْحِ . وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ فِي قِرَاءَةِ الزُّهْرِيِّ هَذِهِ الَّتِي ذَكَرْنَا عَنْهُ ، إِنَّمَا قَصَدَ الزُّهْرِيُّ بِفَتْحِهَا تَصْيِيرَهُ الْإِضَافَةَ أَلِفًا لِلتَّوْفِيقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رُءُوسِ الْآيَاتِ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ ، لِأَنَّهُ خَالَفَ بِقِرَاءَتِهِ ذَلِكَ كَذَلِكَ مَنْ قَرَأَهُ بِالْإِضَافَةِ ، وَقَالَ : إِنَّمَا ذَلِكَ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ : أُطَوِّفُ مَا أُطَوِّفُ ثُمَّ آوِي إِلَى أُمَّا وَيُرْوِينِي النَّقِيعُ وَهُوَ يُرِيدُ : إِلَى أُمِّي ، وَكَقَوْلِ الْعَرَبِ : يَا أَبَا وَأُمَّا ، وَهِيَ تُرِيدُ : يَا أَبِي وَأُمِّي ، كَانَ لَهُ بِذَلِكَ مَقَالٌ .