الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا . . . "
) ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى ﴾( 16 ) يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : إِنَّ السَّاعَةَ الَّتِي يَبْعَثُ اللَّهُ فِيهَا الْخَلَائِقَ مِنْ قُبُورِهِمْ لِمَوْقِفِ الْقِيَامَةِ جَائِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا فَعَلَى ضَمِّ الْأَلِفِ مِنْ أُخْفِيهَا قِرَاءَةُ جَمِيعِ قُرَّاءِ أَمْصَارِ الْإِسْلَامِ ، بِمَعْنَى : أَكَادُ أُخْفِيهَا مِنْ نَفْسِي ، لِئَلَّا يَطَّلِعَ عَلَيْهَا أَحَدٌ ، وَبِذَلِكَ جَاءَ تَأْوِيلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي عَلَيٌّ ، قَالَ : ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلَيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَوْلُهُ أَكَادُ أُخْفِيهَا يَقُولُ : لَا أَظْهَرُ عَلَيْهَا أَحَدًا غَيْرِي . حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَوْلُهُ إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا قَالَ : لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً .
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : ثَنَا أَبُو أَحْمَدَ ، قَالَ : ثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا قَالَ : مِنْ نَفْسِي . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، فِي قَوْلِ اللَّهِ أَكَادُ أُخْفِيهَا قَالَ : مِنْ نَفْسِي . حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، مِثْلَهُ .
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَكَادُ أُخْفِيهَا قَالَ : مِنْ نَفْسِي . حَدَّثَنِي عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ وَاصِلٍ ، قَالَ : ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الطُّنَافِسِيُّ ، قَالَ : ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، فِي قَوْلِهِ أَكَادُ أُخْفِيهَا قَالَ : يُخْفِيهَا مِنْ نَفْسِهِ . حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ أَكَادُ أُخْفِيهَا وَهِيَ فِي بَعْضِ الْقِرَاءَةِ : أُخْفِيهَا مِنْ نَفْسِي .
وَلَعَمْرِي لَقَدْ أَخْفَاهَا اللَّهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ ، وَمِنَ الْأَنْبِيَاءِ الْمُرْسَلِينَ . حَدَّثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَالَ : فِي بَعْضِ الْحُرُوفِ : إِنَّ السَّاعَةَ آتِيهٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا مِنْ نَفْسِي . وَقَالَ آخَرُونَ : إِنَّمَا هُوَ : أَكَادُ أُخْفِيهَا بِفَتْحِ الْأَلِفِ مِنْ أُخْفِيهَا بِمَعْنَى : أُظْهِرُهَا .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ ، قَالَ : ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلٍ ، قَالَ : سَأَلَنِي رَجُلٌ فِي الْمَسْجِدِ عَنْ هَذَا الْبَيْتِ . دَابَ شَهْرَيْنِ ثُمَّ شَهْرًا دَمِيكًا بِأَرِيكَيْنِ يَخْفِيَانِ غَمِيرًا فَقُلْت : يَظْهَرَانِ ، فَقَالَ وَرْقَاءُ بْنُ إِيَاسٍ وَهُوَ خَلْفِي : أَقْرَأَنِيهَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أَكَادُ أُخْفِيهَا بِنَصْبِ الْأَلِفِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وِفَاقَ قَوْلِ الْآخَرِينَ الَّذِينَ قَالُوا : مَعْنَاهُ : أَكَادُ أُخْفِيهَا مِنْ نَفْسِي . ذِكْرُ الرِّوَايَةِ عَنْهُ بِذَلِكَ : حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، قَالَ : ثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَمَنْصُورٌ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَالَا إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا قَالَا مِنْ نَفْسِي .
حَدَّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْهَبَّارِيُّ ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَكَادُ أُخْفِيهَا قَالَ : مِنْ نَفْسِي . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالَّذِي هُوَ أَوْلَى بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ مِنَ الْقَوْلِ ، قَوْلُ مَنْ قَالَ : مَعْنَاهُ : أَكَادُ أُخْفِيهَا مِنْ نَفْسِي ، لِأَنَّ تَأْوِيلَ أَهْلِ التَّأْوِيلِ بِذَلِكَ جَاءَ ، وَالَّذِي ذُكِرَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مِنْ قِرَاءَةِ ذَلِكَ بِفَتْحِ الْأَلِفِ قِرَاءَةٌ لَا أَسْتَجِيزُ الْقِرَاءَةَ بِهَا لِخِلَافِهَا قِرَاءَةَ الْحُجَّةِ الَّتِي لَا يَجُوزُ خِلَافُهَا فِيمَا جَاءَتْ بِهِ نَقْلًا مُسْتَفِيضًا . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَلِمَ وَجَّهْتَ تَأْوِيلَ قَوْلِهِ أَكَادُ أُخْفِيهَا بِضَمِّ الْأَلِفِ إِلَى مَعْنَى : أَكَادُ أُخْفِيهَا مِنْ نَفْسِي ، دُونَ تَوْجِيهِهِ إِلَى مَعْنَى : أَكَادُ أُظْهِرُهَا ، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ لِلْإِخْفَاءِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا الْإِظْهَارُ ، وَالْآخَرُ الْكِتْمَانُ ، وَأَنَّ الْإِظْهَارَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ أَشْبَهُ بِمَعْنَى الْكَلَامِ ، إِذْ كَانَ الْإِخْفَاءُ مِنْ نَفْسِهِ يَكَادُ عِنْدَ السَّامِعِينَ أَنْ يَسْتَحِيلَ مَعْنَاهُ ، إِذْ كَانَ مُحَالًا أَنْ يُخْفِيَ أَحَدٌ عَنْ نَفْسِهِ شَيْئًا هُوَ بِهِ عَالِمٌ ، وَاللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ؟ قِيلَ : الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا ظَنَنْتَ ، وَإِنَّمَا وَجَّهْنَا مَعْنَى ( أُخْفِيهَا ) بِضَمِّ الْأَلِفِ إِلَى مَعْنَى : أَسْتُرُهَا مِنْ نَفْسِي ، لِأَنَّ الْمَعْرُوفَ مِنْ مَعْنَى الْإِخْفَاءِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ : السَّتْرُ .
يُقَالُ : قَدْ أَخْفَيْتُ الشَّيْءَ : إِذَا سَتَرْتُهُ ، وَأَنَّ الَّذِينَ وَجَّهُوا مَعْنَاهُ إِلَى الْإِظْهَارِ ، اعْتَمَدُوا عَلَى بَيْتٍ لِامْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ عَابِسٍ الْكِنْدِيِّ . حُدِّثْتُ عَنْ مَعْمَرِ بْنِ الْمُثَنَّى أَنَّهُ قَالَ : أَنْشَدَنِيهِ أَبُو الْخَطَّابِ ، عَنْ أَهْلِهِ فِي بَلَدِهِ : فَإِنْ تَدْفِنُوا الدَّاءَ لَا نُخْفِهِ وَإِنْ تَبْعَثُوا الْحَرْبَ لَا نَقْعُدِ بِضَمِّ النُّونِ مَنْ لَا نَخَفْهُ ، وَمَعْنَاهُ : لَا نُظْهِرُهُ ، فَكَانَ اعْتِمَادُهُمْ فِي تَوْجِيهِ الْإِخْفَاءِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ إِلَى الْإِظْهَارِ عَلَى مَا ذَكَرُوا مِنْ سَمَاعِهِمْ هَذَا الْبَيْتَ ، عَلَى مَا وَصَفْتُ مِنْ ضَمِّ النُّونِ مَنْ نُخْفِهِ ، وَقَدْ أَنْشَدَنِي الثِّقَةُ عَنِ الْفَرَّاءِ : فَإِنْ تَدْفِنُوا الدَّاءَ لَا نَخْفِهِ بِفَتْحِ النُّونِ مَنْ نَخْفِهِ ، مِنْ خَفَيْتُهُ أُخْفِيهِ ، وَهُوَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ لِأَنَّهُ الْمَعْرُوفُ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ . فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، وَكَانَ الْفَتْحُ فِي الْأَلِفِ مِنْ أُخْفِيهَا غَيْرَ جَائِزٍ عِنْدَنَا لِمَا ذَكَرْنَا ، ثَبَتَ وَصَحَّ الْوَجْهُ الْآخَرُ ، وَهُوَ أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ .
أَكَادُ اسْتُرْهَا مِنْ نَفْسِي . وَأَمَّا وَجْهُ صِحَّةِ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ ، فَهُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ خَاطَبَ بِالْقُرْآنِ الْعَرَبَ عَلَى مَا يَعْرِفُونَهُ مِنْ كَلَامِهِمْ وَجَرَى بِهِ خِطَابُهُمْ بَيْنَهُمْ ، فَلَمَّا كَانَ مَعْرُوفًا فِي كَلَامِهِمْ أَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمْ إِذَا أَرَادَ الْمُبَالَغَةَ فِي الْخَبَرِ عَنْ إِخْفَائِهِ شَيْئًا هُوَ لَهُ مُسِرٌّ : قَدْ كِدْتُ أَنْ أُخْفِيَ هَذَا الْأَمْرَ عَنْ نَفْسِي مِنْ شِدَّةِ اسْتِسْرَارَي بِهِ ، وَلَوْ قَدِرْتُ أُخْفِيهِ عَنْ نَفْسِي أَخْفَيْتُهُ ، خَاطَبَهُمْ عَلَى حَسَبِ مَا قَدْ جَرَى بِهِ اسْتِعْمَالُهُمْ فِي ذَلِكَ مِنَ الْكَلَامِ بَيْنَهُمْ ، وَمَا قَدْ عَرَفُوهُ فِي مَنْطِقِهِمْ وَقَدْ قِيلَ فِي ذَلِكَ أَقْوَالٌ غَيْرَ مَا قُلْنَا . وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا هَذَا الْقَوْلَ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْأَقْوَالِ لِمُوَافَقَةِ أَقْوَالِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعَيْنِ ، إِذْ كُنَّا لَا نَسْتَجِيزُ الْخِلَافَ عَلَيْهِمْ ، فِيمَا اسْتَفَاضَ الْقَوْلُ بِهِ مِنْهُمْ ، وَجَاءَ عَنْهُمْ مَجِيئًا يَقْطَعُ الْعُذْرَ ، فَأَمَّا الَّذِينَ قَالُوا فِي ذَلِكَ غَيْرَ قَوْلِنَا مِمَّنْ قَالَ فِيهِ عَلَى وَجْهِ الِانْتِزَاعِ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْزُوهُ إِلَى إِمَامٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَوِ التَّابِعِينِ ، وَعَلَى وَجْهٍ يَحْتَمِلُ الْكَلَامُ مِنْ غَيْرِ وَجْهِهِ الْمَعْرُوفِ ، فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهُ بَيْنَهُمْ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : يَحْتَمِلُ مَعْنَاهُ : أُرِيدُ أُخْفِيهَا ، قَالَ : وَذَلِكَ مَعْرُوفٌ فِي اللُّغَةِ ، وَذُكِرَ أَنَّهُ حُكِيَ عَنِ الْعَرَبِ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ : أُولَئِكَ أَصْحَابِي الَّذِينَ أَكَادُ أَنْزِلُ عَلَيْهِمْ ، وَقَالَ : مَعْنَاهُ : لَا أَنْزِلُ إِلَّا عَلَيْهِمْ .
قَالَ : وَحُكِيَ : أَكَادُ أَبْرَحُ مَنْزِلِي : أَيْ مَا أَبْرَحُ مَنْزِلِي ، وَاحْتَجَّ بِبَيْتٍ أَنْشَدَهُ لِبَعْضِ الشُّعَرَاءِ : كَادَتْ وكِدْتُ وَتِلْكَ خَيْرُ إِرَادَةٍ لَوْ عَادَ مِنْ عَهْدِ الصَّبَابَةِ مَا مَضَى وَقَالَ : يُرِيدُ : بِكَادَتْ : أَرَادَتْ ، قَالَ : فَيَكُونُ الْمَعْنَى : أُرِيدُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى . قَالَ : وَمِمَّا يُشْبِهُ ذَلِكَ قَوْلُ زَيْدِ الْخَيْلِ : سَرِيعٌ إِلَى الْهَيْجَاءِ شَاكٍ سِلَاحُهُ فَمَا أَنْ تَكَادَ قِرْنُهُ يَتَنَفَّسُ وَقَالَ : كَأَنَّهُ قَالَ : فَمَا يَتَنَفَّسُ قِرْنُهُ ، وَإِلَّا ضَعُفَ الْمَعْنَى; قَالَ : وَقَالَ ذُو الرُّمَّةِ : إِذَا غَيَّرَ النَّأْيُ الْمُحِبِّينَ لَمْ يَكَدْ رَسِيسُ الْهَوَى مِنْ حُبِّ مَيَّةَ يَبْرَحُ قَالَ : وَلَيْسَ الْمَعْنَى : لَمْ يَكَدْ يَبْرَحُ : أَيْ بَعْدَ يُسْرٍ ، وَيَبْرَحُ بَعْدَ عُسْرٍ; وَإِنَّمَا الْمَعْنَى : لَمْ يَبْرَحْ ، أَوْ لَمْ يُرِدْ يَبْرَحُ ، وَإِلَّا ضَعُفَ الْمَعْنَى; قَالَ : وَكَذَلِكَ قَوْلُ أَبِي النَّجْمِ : وَإِنْ أَتَاكَ نَعِيٌّ فَانْدُبَنَّ أَبًا قَدْ كَادَ يَضطْلِعُ الْأَعْدَاءَ والْخُطَبَا وَقَالَ : يَكُونُ الْمَعْنَى : قَدِ اضْطَلَعَ الْأَعْدَاءُ ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ مَدْحًا إِذَا أَرَادَ كَادَ وَلَمْ يُرِدْ يَفْعَلُ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ ، قَالَ : وَانْتَهَى الْخَبَرُ عِنْدَ قَوْلِهِ أَكَادُ لِأَنَّ مَعْنَاهُ : أَكَادُ أَنْ آتِيَ بِهَا ، قَالَ : ثُمَّ ابْتَدَأَ فَقَالَ : وَلَكِنِّي أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى ، قَالَ : وَذَلِكَ نَظِيرُ قَوْلِ ابْنِ ضَابِي : هَمَمْتُ وَلَمْ أفْعَلْ وكِدْتُ ولَيْتَنِي تَرَكْتُ عَلَى عُثْمَانَ تَبْكِي أَقَارِبُهُ فَقَالَ : كِدْتُ ، وَمَعْنَاهُ : كِدْتُ أَفْعَلُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ( أُخْفِيهَا ) أُظْهِرُهَا ، وَقَالُوا : الْإِخْفَاءُ وَالْإِسْرَارُ قَدْ تُوَجِّهُهُمَا الْعَرَبُ إِلَى مَعْنَى الْإِظْهَارِ ، وَاسْتَشْهَدَ بَعْضُهُمْ لِقِيلِهِ ذَلِكَ بِبَيْتِ الْفَرَزْدَقِ : فَلَمَّا رَأَى الْحَجَّاجَ جَرَّدَ سَيْفَهُ أَسَرَّ الْحَرُورِيُّ الَّذِي كَانَ أَضْمَرَا وَقَالَ : عَنَى بِقَوْلِهِ : أَسَرَّ : أَظْهَرَ . قَالَ : وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ وَأَظْهَرُوهَا ، قَالَ : وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا : يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا . وَقَالَ جَمِيعُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ حَكَيْنَا قَوْلَهُمْ جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ مَنْ قَالَ : مَعْنَى ذَلِكَ : أَكَادُ أُخْفِيهَا مِنْ نَفْسِي ، أَنْ يَكُونَ أَرَادَ : أُخْفِيهَا مِنْ قِبَلِي وَمِنْ عِنْدِي ، وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ الَّتِي ذَكَرْنَا عَمَّنْ ذَكَرْنَا تَوْجِيهٌ مِنْهُمْ لِلْكَلَامِ إِلَى غَيْرِ وَجْهِهِ الْمَعْرُوفِ ، وَغَيْرُ جَائِزٍ تَوْجِيهُ مَعَانِي كَلَامِ اللَّهِ إِلَى غَيْرِ الْأَغْلَبِ عَلَيْهِ مِنْ وُجُوهِهِ عِنْدَ الْمُخَاطَبِينَ بِهِ ، فَفِي ذَلِكَ مَعَ خِلَافِهِمْ تَأْوِيلَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيهِ شَاهِدٌ عَدْلٌ عَلَى خَطَأِ مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ فِيهِ .
وَقَوْلُهُ لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ : يَقُولُ : لِتُثَابَ كُلُّ نَفْسٍ امْتَحَنَهَا رَبُّهَا بِالْعِبَادَةِ فِي الدُّنْيَا بِمَا تَسْعَى ، يَقُولُ : بِمَا تَعْمَلُ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ ، وَطَاعَةٍ وَمَعْصِيَةٍ ، وَقَوْلُهُ فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : فَلَا يَرُدَّنَّكَ يَا مُوسَى عَنِ التَّأَهُّبِ لِلسَّاعَةِ ، مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا ، يَعْنِي : مَنْ لَا يُقِرُّ بِقِيَامِ السَّاعَةِ ، وَلَا يُصَدِّقُ بِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَمَاتِ ، وَلَا يَرْجُو ثَوَابًا ، وَلَا يَخَافُ عِقَابًا . وَقَوْلُهُ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ يَقُولُ : اتَّبَعَ هَوَى نَفْسِهِ ، وَخَالَفَ أَمْرَ اللَّهِ وَنَهْيَهُ ( فَتَرْدَى ) يَقُولُ : فَتَهْلَكُ إِنْ أَنْتَ انْصَدَدْتَ عَنِ التَّأَهُّبِ لِلسَّاعَةِ ، وَعَنِ الْإِيمَانِ بِهَا ، وَبِأَنَّ اللَّهَ بَاعِثُ الْخَلْقِ لِقِيَامِهَا مِنْ قُبُورِهِمْ بَعْدَ فَنَائِهِمْ بِصَدِّ مَنْ كَفَرَ بِهَا ، وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَزْعُمُ أَنَّ الْهَاءَ وَالْأَلِفَ مِنْ قَوْلِهِ فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا كِنَايَةٌ عَنْ ذِكْرِ الْإِيمَانِ ، قَالَ : وَإِنَّمَا قِيلَ عَنْهَا وَهِيَ كِنَايَةٌ عَنِ الْإِيمَانِ كَمَا قِيلَ إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ يَذْهَبُ إِلَى الْفِعْلَةِ ، وَلَمْ يَجْرِ لِلْإِيمَانِ ذِكْرٌ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، فَيَجْعَلُ ذَلِكَ مِنْ ذِكْرِهِ ، وَإِنَّمَا جَرَى ذِكْرُ السَّاعَةِ ، فَهُوَ بِأَنْ يَكُونَ مِنْ ذِكْرِهَا أَوْلَى .