الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي "
) ﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي ﴾( 32 ) ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا ﴾( 33 ) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا ( 34 ) ﴿إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا ﴾( 35 ) يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُخْبِرًا عَنْ مُوسَى أَنَّهُ سَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يَشْدُدَ أَزْرَهُ بِأَخِيهِ هَارُونَ . وَإِنَّمَا يَعْنِي بِقَوْلِهِ ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي ﴾ قَوِّ ظَهْرِي ، وَأَعِنِّي بِهِ ، يُقَالُ مِنْهُ : قَدْ أَزَرَ فُلَانٌ فُلَانًا : إِذَا أَعَانَهُ وَشَدَّ ظَهْرَهُ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي ﴾ يَقُولُ : اشْدُدْ بِهِ ظَهْرِي . حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي ﴾ يَقُولُ : اشْدُدْ بِهِ أَمْرِي ، وَقَوِّنِي بِهِ ، فَإِنَّ لِي بِهِ قُوَّةً . وَقَوْلُهُ ﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي ﴾ يَقُولُ : وَاجْعَلْهُ نَبِيًّا مِثْلَ مَا جَعَلْتَنِي نَبِيًّا ، وَأَرْسِلْهُ مَعِي إِلَى فِرْعَوْنَ ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا ﴾ يَقُولُ : كَيْ نُعَظِّمَكَ بِالتَّسْبِيحِ لَكَ كَثِيرًا وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا فَنَحْمَدَكَ ﴿إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا ﴾ يَقُولُ : إِنَّكَ كُنْتَ ذَا بَصَرٍ بِنَا لَا يَخْفَى عَلَيْكَ مِنْ أَفْعَالِنَا شَيْءٌ .
وَذُكِرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ : ( ﴿أَشْدِدْ بِهِ أَزْرِي ﴾) بِفَتْحِ الْأَلِفِ مِنْ أَشْدَدَ ﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي ﴾ بِضَمِّ الْأَلِفِ مِنْ أُشْرِكُهُ ، بِمَعْنَى الْخَبَرِ مِنْ مُوسَى عَنْ نَفْسِهِ ، أَنَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ ، لَا عَلَى وَجْهِ الدُّعَاءِ ، وَإِذَا قُرِئَ ذَلِكَ كَذَلِكَ جُزِمَ أَشْدُدُ وَ أُشْرِكُ عَلَى الْجَزَاءِ ، أَوْ جَوَابِ الدُّعَاءِ ، وَذَلِكَ قِرَاءَةٌ لَا أَرَى الْقِرَاءَةَ بِهَا ، وَإِنْ كَانَ لَهَا وَجْهٌ مَفْهُومٌ ، لِخِلَافِهَا قِرَاءَةَ الْحُجَّةِ الَّتِي لَا يَجُوزُ خِلَافُهَا .