الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى "
) ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ﴾( 25 ) ﴿وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ﴾( 26 ) ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي ﴾( 27 ) يَفْقَهُوا قَوْلِي ( 28 ) ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي ﴾( 29 ) هَارُونَ أَخِي ( 30 ) يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُوسَى صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ : ( اذْهَبْ ) يَا مُوسَى إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى . يَقُولُ : إِنَّهُ تَجَاوَزَ قَدْرَهُ ، وَتَمَرَّدَ عَلَى رَبِّهِ; وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الطُّغْيَانِ بِمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ ، فِي هَذَا الْمَوْضِعِ . وَفِي الْكَلَامِ مَحْذُوفٌ اسْتُغْنِيَ بِفَهْمِ السَّامِعِ بِمَا ذُكِرَ مِنْهُ ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ﴾ فَادْعُهُ إِلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ وَطَاعَتِهِ ، وَإِرْسَالِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مَعَكَ ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ﴾ يَقُولُ : رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ، لِأَعِيَ عَنْكَ مَا تُودِعُهُ مِنْ وَحْيِكَ ، وَأَجْتَرِئُ بِهِ عَلَى خِطَابِ فِرْعَوْنَ ﴿وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ﴾ يَقُولُ : وَسَهِّلْ عَلِيَّ الْقِيَامَ بِمَا تُكَلِّفُنِي مِنَ الرِّسَالَةِ ، وَتَحْمِلُنِي مِنَ الطَّاعَةِ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ ، قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِ اللَّهِ : رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي قَالَ : جُرْأَةً لِي . وَقَوْلُهُ ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي ﴾ يَقُولُ : وَأَطْلِقْ لِسَانِي بِالْمَنْطِقِ ، وَكَانَتْ فِيهِ فِيمَا ذُكِرَ عُجْمَةٌ عَنِ الْكَلَامِ الَّذِي كَانَ مِنْ إِلْقَائِهِ الْجَمْرَةَ إِلَى فِيهِ يَوْمَ هَمَّ فِرْعَوْنُ بِقَتْلِهِ .
ذِكْرُ الرِّوَايَةِ بِذَلِكَ عَمَّنْ قَالَهُ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، فِي قَوْلِهِ : عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي قَالَ : عُجْمَةٌ لِجَمْرَةِ نَارٍ أَدْخَلَهَا فِي فِيهِ عَنْ أَمْرِ امْرَأَةِ فِرْعَوْنَ ، تَرُدُّ بِهِ عَنْهُ عُقُوبَةَ فِرْعَوْنَ ، حِينَ أَخَذَ مُوسَى بِلِحْيَتِهِ وَهُوَ لَا يَعْقِلُ ، فَقَالَ : هَذَا عَدُوٌّ لِي ، فَقَالَتْ لَهُ . إِنَّهُ لَا يَعْقِلُ . حَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي ﴾ لِجَمْرَةِ نَارٍ أَدْخَلَهَا فِي فِيهِ عَنْ أَمْرِ امْرَأَةِ فِرْعَوْنَ ، تَدْرَأُ بِهِ عَنْهُ عُقُوبَةَ فِرْعَوْنَ ، حِينَ أَخَذَ مُوسَى بِلِحْيَتِهِ وَهُوَ لَا يَعْقِلُ ، فَقَالَ : هَذَا عَدُوٌّ لِي ، فَقَالَتْ لَهُ : إِنَّهُ لَا يَعْقِلُ ، هَذَا قَوْلُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ .
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَوْلُهُ ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي ﴾ قَالَ : عُجْمَةُ الْجَمْرَةِ نَارٌ أَدْخَلَهَا فِي فِيهِ ، عَنْ أَمْرِ امْرَأَةِ فِرْعَوْنَ تَرُدُّ بِهِ عَنْهُ عُقُوبَةَ فِرْعَوْنَ حِينَ أَخَذَ بِلِحْيَتِهِ . حَدَّثَنَا مُوسَى ، قَالَ : ثَنَا عَمْرٌو ، قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، قَالَ : لَمَّا تَحَرَّكَ الْغُلَامُ ، يَعْنِي مُوسَى ، أَوْرَتْهُ أُمُّهُ آسِيَةُ صَبِيًّا ، فَبَيْنَمَا هِيَ تُرَقِّصُهُ وَتَلْعَبُ بِهِ ، إِذْ نَاوَلَتْهُ فِرْعَوْنَ ، وَقَالَتْ : خُذْهُ ، فَلَمَّا أَخَذَهُ إِلَيْهِ أَخَذَ مُوسَى بِلِحْيَتِهِ فَنَتَفَهَا ، فَقَالَ فِرْعَوْنُ : عَلَيَّ بِالذَّبَّاحِينَ ، قَالَتْ آسِيَةُ : لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا إِنَّمَا هُوَ صَبِيٌّ لَا يَعْقِلُ ، وَإِنَّمَا صَنَعَ هَذَا مِنْ صِبَاهُ ، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي أَهْلِ مِصْرَ أَحْلَى مِنِّى أَنَا أَضَعُ لَهُ حُلِيًّا مِنَ الْيَاقُوتِ ، وَأَضَعُ لَهُ جَمْرًا ، فَإِنْ أَخَذَ الْيَاقُوتَ فَهُوَ يَعْقِلُ فَاذْبَحْهُ ، وَإِنْ أَخَذَ الْجَمْرَ فَإِنَّهُ هُوَ صَبِيٌّ ، فَأَخْرَجَتْ لَهُ يَاقُوتَهُا وَوَضَعَتْ لَهُ طَسْتًا مِنْ جَمْرٍ ، فَجَاءَ جِبْرَائِيلُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَطَرَحَ فِي يَدِهِ جَمْرَةً ، فَطَرَحَهَا مُوسَى فِي فِيهِ ، فَأَحْرَقَتْ لِسَانَهُ ، فَهُوَ الَّذِي يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي ﴾يَفْقَهُوا قَوْلِي ، فَزَالَتْ عَنْ مُوسَى مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ . وَقَوْلُهُ يَفْقَهُوا قَوْلِي يَقُولُ : يَفْقَهُوا عَنِّي مَا أُخَاطِبُهُمْ وَأُرَاجِعُهُمْ بِهِ مِنَ الْكَلَامِ ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي ﴾ يَقُولُ : وَاجْعَلْ لِي عَوْنًا مِنْ أَهْلِ بَيْتِي هَارُونَ أَخِي .
وَفِي نَصْبِ هَارُونَ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ هَارُونُ مَنْصُوبًا عَلَى التَّرْجَمَةِ عَنِ الْوَزِيرِ . حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : كَانَ هَارُونُ أَكْبَرَ مِنْ مُوسَى .