الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا . . . "
) ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا ١٢٥ قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى ﴾( 125 ) يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي الَّذِي أُذَكِّرُهُ بِهِ فَتَوَلَّى عَنْهُ وَلَمْ يَقْبَلْهُ وَلَمْ يَسْتَجِبْ لَهُ ، وَلَمْ يَتَّعِظْ بِهِ فَيَنْزَجِرُ عَمَّا هُوَ عَلَيْهِ مُقِيمٌ مِنْ خِلَافِهِ أَمْرَ رَبِّهِ فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا يَقُولُ : فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَيِّقَةً ، وَالضَّنْكُ مِنَ الْمَنَازِلِ وَالْأَمَاكِنِ وَالْمَعَايِشِ الشَّدِيدُ ، يُقَالُ : هَذَا مَنْزِلٌ ضَنْكٌ : إِذَا كَانَ ضَيِّقًا ، وَعَيْشٌ ضَنْكٌ : الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى وَالْوَاحِدُ وَالِاثْنَانِ وَالْجَمْعُ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ; وَمِنْهُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ : وَإِنْ نَزَلُوا بِضَنْكٍ أَنْزِلِ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي عَلِيٌّ قَالَ : ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَةُ عَنْ عَلِيٍّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا يَقُولُ : الشَّقَاءُ . حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلُهُ ( ضَنْكًا ) قَالَ : ضَيِّقَةٌ .
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا قَالَ : الضَّنْكُ : الضَّيِّقُ . حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا حَكَّامٌ عَنْ عَنْبَسَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا يَقُولُ : ضَيِّقَةٌ . حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ .
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي جَعَلَ اللَّهُ لِهَؤُلَاءِ الْمُعْرِضِينَ عَنْ ذِكْرِهِ الْعِيشَةَ الضَّنْكَ وَالْحَالَ الَّتِي جَعَلَهُمْ فِيهَا ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : جَعَلَ ذَلِكَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ فِي جَهَنَّمَ ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ جَعَلَ طَعَامَهُمْ فِيهَا الضَّرِيعَ وَالزَّقُّومَ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُقَدَّمٍ قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عَوْفٍ عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ : فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا قَالَ : فِي جَهَنَّمَ . حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ قَالَ : هَؤُلَاءِ أَهْلُ الْكُفْرِ ، قَالَ : وَمَعِيشَةً ضَنْكًا فِي النَّارِ شَوْكٌ مِنْ نَارٍ وَزَقُّومٍ وَغِسْلِينٍ ، وَالضَّرِيعُ : شَوْكٌ مِنْ نَارٍ ، وَلَيْسَ فِي الْقَبْرِ وَلَا فِي الدُّنْيَا مَعِيشَةٌ ، مَا الْمَعِيشَةُ وَالْحَيَاةُ إِلَّا فِي الْآخِرَةِ ، وَقَرَأَ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي قَالَ : لِمَعِيشَتِي ، قَالَ : وَالْغِسْلِينُ وَالزَّقُّومُ : شَيْءٌ لَا يَعْرِفُهُ أَهْلُ الدُّنْيَا .
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا قَالَ : فِي النَّارِ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عَنَى بِذَلِكَ : فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً فِي الدُّنْيَا حَرَامًا قَالَ : وَوَصَفَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ مَعِيشَتَهُمْ بِالضَّنْكِ ، لِأَنَّ الْحَرَامَ وَإِنِ اتَّسَعَ فَهُوَ ضَنْكٌ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ عَنْ يَزِيدَ عَنْ عِكْرِمَةَ فِي قَوْلِهِ : مَعِيشَةً ضَنْكًا قَالَ : هِيَ الْمَعِيشَةُ الَّتِي أَوْسَعَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ الْحَرَامِ .
حَدَّثَنِي دَاوُدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ يَزِيدَ الْمُكْتِبُ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ ، قَالَ : ثَنَا عَمْرُو بْنُ جَرِيرٍ الْبَجَلِيُّ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ مَعِيشَةً ضَنْكًا قَالَ : رَزَقًا فِي مَعْصِيَتِهِ . حَدَّثَنِي عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ وَاصِلٍ قَالَ : ثَنَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا أَبُو بِسْطَامٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا قَالَ : الْكَسْبُ الْخَبِيثُ . حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الصِّرَارِيُّ قَالَ : ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَوَّارٍ قَالَ : ثَنَا أَبُو الْيَقْظَانِ عَمَّارُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ هَارُونَ بْنِ مُحَمَّدٍ التَّيْمِيِّ عَنِ الضَّحَّاكِ فِي قَوْلِهِ فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا قَالَ : الْعَمَلُ الْخَبِيثُ ، وَالرِّزْقُ السَّيِّئُ .
وَقَالَ آخَرُونَ مِمَّنْ قَالَ عَنَى أَنَّ لِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الْمَعِيشَةَ الضَّنْكَ فِي الدُّنْيَا ، إِنَّمَا قِيلَ لَهَا ضَنْكٌ وَإِنْ كَانَتْ وَاسِعَةً لِأَنَّهُمْ يُنْفِقُونَ مَا يُنْفِقُونَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ عَلَى تَكْذِيبٍ مِنْهُمْ بِالْخَلْفِ مِنَ اللَّهِ ، وَإِيَاسٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ، وَسُوءِ ظَنٍّ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ ، فَتَشْتَدُّ لِذَلِكَ عَلَيْهِمْ مَعِيشَتُهُمْ وَتَضِيقُ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا يَقُولُ : كُلُّ مَالٍ أَعْطَيْتُهُ عَبْدًا مِنْ عِبَادِي قَلَّ أَوْ كَثُرَ لَا يَتَّقِينِي فِيهِ ، لَا خَيْرَ فِيهِ ، وَهُوَ الضَّنْكُ فِي الْمَعِيشَةِ . وَيُقَالُ : إِنَّ قَوْمًا ضُلَّالًا أَعْرَضُوا عَنِ الْحَقِّ وَكَانُوا أُولِي سَعَةٍ مِنَ الدُّنْيَا مُكْثِرِينَ ، فَكَانَتْ مَعِيشَتُهُمْ ضَنْكًا ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَيْسَ بِمُخْلِفٍ لَهُمْ مَعَايِشَهُمْ مِنْ سُوءِ ظَنِّهِمْ بِاللَّهِ وَالتَّكْذِيبِ بِهِ ، فَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ يُكَذِّبُ بِاللَّهِ ، وَيُسِيءُ الظَّنَّ بِهِ ، اشْتَدَّتْ عَلَيْهِ مَعِيشَتُهُ ، فَذَلِكَ الضَّنْكُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عَنَى بِذَلِكَ : أَنَّ ذَلِكَ لَهُمْ فِي الْبَرْزَخِ ، وَهُوَ عَذَابُ الْقَبْرِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ مَخْلَدٍ الْوَاسِطِيُّ قَالَ : ثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ فِي قَوْلِ اللَّهِ مَعِيشَةً ضَنْكًا قَالَ : عَذَابُ الْقَبْرِ . حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيعٍ قَالَ : ثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : إِنَّ الْمَعِيشَةَ الضَّنْكَ الَّتِي قَالَ اللَّهُ عَذَابُ الْقَبْرِ .
حَدَّثَنِي حَوْثَرَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمِنْقَرِيُّ قَالَ : ثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا قَالَ : يُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ أَضْلَاعُهُ . حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ قَالَ : ثَنَا أَبِي وَشُعَيْبُ بْنُ اللَّيْثِ عَنِ اللَّيْثِ قَالَ : ثَنَا خَالِدُ بْنُ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ أَبِي هِلَالٍ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : الْمَعِيشَةُ الضَّنْكُ : عَذَابُ الْقَبْرِ ، إِنَّهُ يُسَلَّطُ عَلَى الْكَافِرِ فِي قَبْرِهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ تِنِّينًا تَنْهَشُهُ وَتَخْدِشُ لَحْمَهُ حَتَّى يُبْعَثَ ، وَكَانَ يُقَالُ : لَوْ أَنَّ تِنِّينًا مِنْهَا نَفَخَ الْأَرْضَ لَمْ تُنْبِتْ زَرْعًا . حَدَّثَنَا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : يُطْبَقُ عَلَى الْكَافِرِ قَبْرَهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أَضْلَاعُهُ ، وَهِيَ الْمَعِيشَةُ الضَّنْكُ الَّتِي قَالَ اللَّهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى .
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : ثَنَا جَابِرُ بْنُ نُوحٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ وَالسُّدِّيِّ فِي قَوْلِهِ مَعِيشَةً ضَنْكًا قَالَ : عَذَابُ الْقَبْرِ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْأَحْمَسِيُّ قَالَ : ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ : ثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ فِي قَوْلِهِ فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا قَالَ : عَذَابُ الْقَبْرِ . حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ قَالَ : ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَبِيعَةَ قَالَ : ثَنَا أَبُو عُمَيْسٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُخَارِقٍ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ فِي قَوْلِهِ مَعِيشَةً ضَنْكًا قَالَ : عَذَابُ الْقَبْرِ .
حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحِيمِ الْبَرْقِيُّ قَالَ : ثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ : ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ وَابْنُ أَبِي حَازِمٍ قَالَا ثَنَا أَبُو حَازِمٍ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ مَعِيشَةً ضَنْكًا قَالَ : عَذَابُ الْقَبْرِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ : هُوَ عَذَابُ الْقَبْرِ الَّذِي حَدَّثَنَا بِهِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَهْبٍ ، قَالَ : ثَنَا عَمِّي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ دَرَّاجٍ عَنِ ابْنِ حُجَيْرَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : أَتَدْرُونَ فِيمَ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ( فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ) أَتَدْرُونَ مَا الْمَعِيشَةُ الضَّنْكُ ؟ قَالُوا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، قَالَ : عَذَابُ الْكَافِرِ فِي قَبْرِهِ ، وَالَّذِي نَفْسِي بَيَدِهِ أَنَّهُ لَيُسَلَّطُ عَلَيْهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ تِنِّينًا ، أَتَدْرُونَ مَا التِّنِينُ : تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ حَيَّةً ، لِكُلِّ حَيَّةٍ سَبْعَةُ رُءُوسٍ ، يَنْفُخُونَ فِي جِسْمِهِ وَيَلْسَعُونَهُ وَيَخْدِشُونَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ . وَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى اتْبَعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى فَكَانَ مَعْلُومًا بِذَلِكَ أَنَّ الْمَعِيشَةَ الضَّنْكَ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ لَهُمْ قَبْلَ عَذَابِ الْآخِرَةِ ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ فِي الْآخِرَةِ لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ : وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى مَعْنًى مَفْهُومٌ ، لِأَنَّ ذَلِكَ إِنْ لَمْ يَكُنْ تَقَدَّمَهُ عَذَابٌ لَهُمْ قَبْلَ الْآخِرَةِ ، حَتَّى يَكُونَ الَّذِي فِي الْآخِرَةِ أَشَدَّ مِنْهُ ، بَطَلَ مَعْنَى قَوْلِهِ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى ، فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَلَا تَخْلُو تِلْكَ الْمَعِيشَةُ الضَّنْكُ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ لَهُمْ مِنْ أَنْ تَكُونَ لَهُمْ فِي حَيَاتِهِمُ الدُّنْيَا ، أَوْ فِي قُبُورِهِمْ قَبْلَ الْبَعْثِ ، إِذْ كَانَ لَا وَجْهَ لِأَنْ تَكُونَ فِي الْآخِرَةِ لِمَا قَدْ بَيَّنَّا ، فَإِنْ كَانَتْ لَهُمْ فِي حَيَاتِهِمُ الدُّنْيَا ، فَقَدْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ مِنَ الْكُفَّارِ ، فَإِنَّ مَعِيشَتَهُ فِيهَا ضَنْكٌ ، وَفِي وَجُودِنَا كَثِيرًا مِنْهُمْ أَوْسَعَ مَعِيشَةً مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الْمُقْبِلِينَ عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، الْقَائِلِينَ لَهُ الْمُؤْمِنِينَ فِي ذَلِكَ ، مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ كَذَلِكَ ، وَإِذْ خَلَا الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ مِنْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ صَحَّ الْوَجْهُ الثَّالِثُ ، وَهُوَ أَنَّ ذَلِكَ فِي الْبَرْزَخِ .
وَقَوْلُهُ وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي صِفَةِ الْعَمَى الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، أَنَّهُ يُبْعَثُ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِهِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : ذَلِكَ عَمًى عَنِ الْحُجَّةِ ، لَا عَمًى عَنِ الْبَصَرِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْأَحْمَسِيُّ قَالَ : ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ : ثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ فِي قَوْلِهِ : وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ : لَيْسَ لَهُ حُجَّةٌ . حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ : عَنِ الْحُجَّةِ .
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ ، وَقِيلَ : يُحْشَرُ أَعْمَى الْبَصَرِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ مَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ ، وَهُوَ أَنَّهُ يُحْشَرُ أَعْمَى عَنِ الْحُجَّةِ وَرُؤْيَةِ الشَّيْءِ كَمَا أَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ، فَعَمَّ وَلَمْ يُخَصِّصْ . وَقَوْلُهُ ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا ﴾ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ فِي ذَلِكَ ، مَا حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى لَا حُجَّةَ لِي . وَقَوْلُهُ وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَاهُ : وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا بِحُجَّتِي . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ مُجَاهِدٍ وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا قَالَ : عَالِمًا بِحُجَّتِي .
وَقَالَ آخَرُونَ . بَلْ مَعْنَاهُ : وَقَدْ كُنْتُ ذَا بَصَرٍ أُبْصِرُ بِهِ الْأَشْيَاءَ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا فِي الدُّنْيَا .
حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا ﴾ قَالَ : كَانَ بَعِيدَ الْبَصَرِ ، قَصِيرَ النَّظَرِ ، أَعْمَى عَنِ الْحَقِّ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا أَنَّ اللَّهَ عَزَّ شَأْنُهُ وَجَلَّ ثَنَاؤُهُ عَمَّ بِالْخَبَرِ عَنْهُ بِوَصْفِهِ نَفْسَهُ بِالْبَصَرِ ، وَلَمْ يُخَصَّصْ مِنْهُ مَعْنًى دُونَ مَعْنًى ، فَذَلِكَ عَلَى مَا عَمَّهُ ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ : قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى عَنْ حُجَّتِي وَرُؤْيَةِ الْأَشْيَاءِ ، وَقَدْ كُنْتُ فِي الدُّنْيَا ذَا بَصَرٍ بِذَلِكَ كُلِّهِ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَكَيْفَ قَالَ هَذَا لِرَبِّهِ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى مَعَ مُعَايَنَتِهِ عَظِيمَ سُلْطَانِهِ ، أَجَهِلَ فِي ذَلِكَ الْمَوْقِفِ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ أَنْ يَفْعَلَ بِهِ مَا شَاءَ ، أَمْ مَا وَجْهُ ذَلِكَ ؟ قِيلَ : إِنَّ ذَلِكَ مِنْهُ مَسْأَلَةٌ لِرَبِّهِ يُعَرِّفُهُ الْجُرْمَ الَّذِي اسْتَحَقَّ بِهِ ذَلِكَ ، إِذْ كَانَ قَدْ جَهِلَهُ ، وَظَنَّ أَنْ لَا جُرْمَ لَهُ ، اسْتَحَقَّ ذَلِكَ بِهِ مِنْهُ ، فَقَالَ : رَبِّ لِأَيِّ ذَنْبٍ وَلِأَيِّ جُرْمٍ حَشَرْتَنِي أَعْمًى ، وَقَدْ كُنْتُ مِنْ قَبْلُ فِي الدُّنْيَا بَصِيرًا وَأَنْتَ لَا تُعَاقِبُ أَحَدًا إِلَّا بِدُونِ مَا يَسْتَحِقُّ مِنْكَ مِنَ الْعِقَابِ .
وَقَوْلُهُ قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ ، قَالَ اللَّهُ حِينَئِذٍ لِلْقَائِلِ لَهُ : لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا فَعَلْتُ ذَلِكَ بِكَ فَحَشَرْتُكَ أَعْمَى كَمَا أَتَتْكَ آيَاتِي - وَهِيَ حُجَجُهُ وَأَدِلَّتُهُ وَبَيَانُهُ الَّذِي بَيَّنَهُ فِي كِتَابِهِ - فَنَسِيتَهَا : يَقُولُ : فَتَرَكْتَهَا وَأَعْرَضْتَ عَنْهَا ، وَلَمْ تُؤْمِنْ بِهَا ، وَلَمْ تَعْمَلْ . وَعَنَى بِقَوْلِهِ كَذَلِكَ أَتَتْكَ هَكَذَا أَتَتْكَ . وَقَوْلُهُ : وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى يَقُولُ : فَكَمَا نَسِيتَ آيَاتِنَا فِي الدُّنْيَا ، فَتَرَكْتَهَا وَأَعْرَضْتَ عَنْهَا ، فَكَذَلِكَ الْيَوْمَ نَنْسَاكَ ، فَنَتْرُكُكَ فِي النَّارِ .
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى فَقَالَ بَعْضُهُمْ بِمِثْلِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْأَحْمَسِيُّ قَالَ ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ : ثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ فِي قَوْلِهِ وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى قَالَ : فِي النَّارِ . حَدَّثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا قَالَ : فَتَرَكْتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُتْرَكُ فِي النَّارِ .
وَرُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ فِي ذَلِكَ مَا حَدَّثَنِي بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ ﴿قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى ﴾ قَالَ : نَسِيَ مِنَ الْخَيْرِ ، وَلَمْ يَنْسَ مِنَ الشَّرِّ . وَهَذَا الْقَوْلُ الَّذِي قَالَهُ قَتَادَةُ قَرِيبُ الْمَعْنَى مِمَّا قَالَهُ أَبُو صَالِحٍ وَمُجَاهِدٌ لِأَنَّ تَرْكَهُ إِيَّاهُمْ فِي النَّارِ أَعْظَمُ الشَّرِّ لَهُمْ .