الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ . . . "
) اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ ( قُلْ رَبِّي ) فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ وَبَعْضُ الْكُوفِيِّينَ ( قُلْ رَبِّي ) عَلَى وَجْهِ الْأَمْرِ ، وَقَرَأَهُ بَعْضُ قُرَّاءِ مَكَّةَ وَعَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ ( قَالَ رَبِّي ) عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ . وَكَأَنَّ الَّذِينَ قَرَءُوهُ عَلَى وَجْهِ الْأَمْرِ أَرَادُوا مِنْ تَأْوِيلِهِ : قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِلْقَائِلِينَ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ : رَبِّي يَعْلَمُ قَوْلَ كُلِّ قَائِلٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ لِذَلِكَ كُلِّهِ ، وَلِمَا يَقُولُونَ مِنَ الْكَذِبِ ، الْعَلِيمُ بِصِدْقِي وَحَقِيقَةِ مَا أَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ ، وَبَاطِلِ مَا تَقُولُونَ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا . وَكَأَنَّ الَّذِينَ قَرَءُوا ذَلِكَ قَالَ عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ أَرَادُوا ، قَالَ مُحَمَّدٌ : رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ عَنْ جَوَابِ نَبِيِّهِ إِيَّاهُمْ .
وَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ فِي قَرَاءَةِ الْأَمْصَارِ ، قَدْ قَرَأَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عُلَمَاءُ مِنَ الْقُرَّاءِ ، وَجَاءَتْ بِهِمَا مَصَاحِفُ الْمُسْلِمِينَ مُتَّفِقَتَا الْمَعْنَى ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ إِذَا أَمَرَ مُحَمَّدًا بِقِيلِ ذَلِكَ قَالَهُ ، وَإِذَا قَالَهُ فَعَنْ أَمْرِ اللَّهِ قَالَهُ ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ الصَّوَابَ فِي قِرَاءَتِهِ .