الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ . . . "
) يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ ، اقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ ، وَذَلِكَ وَعْدُ اللَّهِ الَّذِي وَعَدَ عِبَادَهُ أَنَّهُ يَبْعَثُهُمْ مِنْ قُبُورِهِمْ لِلْجَزَاءِ وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ ، وَهُوَ لَا شَكَّ حَقٌّ كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا الْحَكَمُ بْنُ بَشِيرٍ ، قَالَ : ثَنَا عَمْرٌو ، يَعْنِي ابْنَ قَيْسٍ ، قَالَ : ثَنَا حُذَيْفَةُ : لَوْ أَنَّ رَجُلًا افْتَلَى فَلُوًّا بَعْدَ خُرُوجِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ لَمْ يَرْكَبْهُ حَتَّى تَقُومَ الْقِيَامَةُ .
حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ قَالَ : اقْتَرَبَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ مِنْهُمْ ، وَالْوَاوُ فِي قَوْلِهِ وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ مُقْحَمَةٌ ، وَمَعْنَى الْكَلَامِ : حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ اقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقِّ ، وَذَلِكَ نَظِيرَ قَوْلِهِ ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ﴾وَنَادَيْنَاهُ مَعْنَاهُ : نَادَيْنَا ، بِغَيْرِ وَاوٍ ، كَمَا قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ : فَلَمَّا أَجَزْنَا سَاحَةَ الْحَيِّ وَانْتَحَى بِنَا بَطْنُ خَبْتٍ ذِي حِقَافٍ عَقَنْقَلِ يُرِيدُ : فَلَمَّا أَجَزْنَا سَاحَةَ الْحَيِّ انْتَحَى بِنَا . وَقَوْلُهُ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَفِي هِيَ الَّتِي فِي قَوْلِهِ فَإِذَا هِيَ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا أَنْ تَكُونَ كِنَايَةً عَنِ الْأَبْصَارِ ، وَتَكُونُ الْأَبْصَارُ الظَّاهِرَةُ بَيَانًا عَنْهَا ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : لَعَمْرُوا أَبِيهَا لَا تَقُولُ ظَعِينَتِي أَلَا فَرَّ عَنِّي مَالِكُ بْنُ أَبِي كَعْبِ فَكَنَّى عَنِ الظَّعِينَةِ فِي : لَعَمْرُوا أَبِيهَا ، ثُمَّ أَظْهَرَهَا ، فَيَكُونُ تَأْوِيلُ الْكَلَامِ حِينَئِذٍ : فَإِذَا الْأَبْصَارُ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا . وَالثَّانِي : أَنْ تَكُونَ عِمَادًا كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَكَقَوْلِ الشَّاعِرِ : فَهَلْ هُوَ مَرْفُوعٌ بِمَا هَاهُنَا رَأْسُ وَقَوْلُهُ يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : فَإِذَا أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا قَدْ شَخَصَتْ عِنْدَ مَجِيءِ الْوَعْدِ الْحَقِّ بِأَهْوَالِهِ وَقِيَامِ السَّاعَةِ بِحَقَائِقِهَا ، وَهُمْ يَقُولُونَ : يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا قَبْلَ هَذَا الْوَقْتِ فِي الدُّنْيَا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا الَّذِي نَرَى وَنُعَايِنُ وَنَزَلَ بِنَا مِنْ عَظِيمِ الْبَلَاءِ ، وَفِي الْكَلَامِ مَتْرُوكٌ تُرِكَ ذِكْرُهُ اسْتِغْنَاءً بِدَلَالَةِ مَا ذُكِرَ عَلَيْهِ عَنْهُ ، وَذَلِكَ يَقُولُونَ مِنْ قَوْلِهِ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَقُولُونَ يَا وَيْلَنَا ، وَقَوْلُهُ بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ يَقُولُ مُخْبِرًا عَنْ قِيلِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِاللَّهِ يَوْمَئِذٍ : مَا كُنَّا نَعْمَلُ لِهَذَا الْيَوْمِ مَا يُنْجِينَا مِنْ شَدَائِدِهِ ، بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ بِمَعْصِيَتِنَا رَبَّنَا وَطَاعَتِنَا إِبْلِيسَ وَجُنْدَهُ فِي عِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ .