الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ . . "
) يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ دَلَالَاتٍ وَعَلَامَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ : يَقُولُ مُفَصِّلَاتٍ الْحَقَّ مِنَ الْبَاطِلِ ، وَمُوَضِّحَاتٍ ذَلِكَ . وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ ، وَبَعْضُ الْكُوفِيِّينَ وَالْبَصْرِيِّينَ مُبَيَّنَاتٍ بِفَتْحِ الْيَاءِ : بِمَعْنَى مُفَصَّلَاتٍ ، وَأَنَّ اللَّهَ فَصَّلَهُنَّ وَبَيَّنَهُنَّ لِعِبَادِهِ ، فَهُنَّ مُفَصَّلَاتٌ مُبَيَّنَاتٌ . وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ : ( مُبَيِّنَاتٍ ) بِكَسْرِ الْيَاءِ ، بِمَعْنَى أَنَّ الْآيَاتِ هُنَّ تُبَيَّنُ الْحُقَّ وَالصَّوَابَ لِلنَّاسِ وَتَهْدِيهِمْ إِلَى الْحَقِّ .
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ ، وَقَدْ قَرَأَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عُلَمَاءُ مِنَ الْقُرَّاءِ ، مُتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ إِذْ فَصَّلَهَا وَبَيَّنَهَا صَارَتْ مُبَيِّنَةً بِنَفْسِهَا الْحَقَّ لِمَنِ الْتَمَسَهُ مِنْ قِبَلِهَا ، وَإِذَا بَيَّنَتْ ذَلِكَ لِمَنِ الْتَمَسَهُ مِنْ قِبَلِهَا ، فَيُبَيِّنُ اللَّهُ ذَلِكَ فِيهَا ، فَبِأَيِّ الْقِرَاءَتَيْنِ قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ ، فِي قِرَاءَتِهِ الصَّوَابَ . وَقَوْلُهُ : وَمَثَلا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْأُمَمِ ، ( وَمَوْعِظَةً ) لِمَنِ اتَّقَى اللَّهَ ، فَخَافَ عِقَابَهُ وَخَشِيَ عَذَابَهُ .