الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ . . "
) يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : مَا الْمُؤْمِنُونَ حَقَّ الْإِيمَانِ ، إِلَّا الَّذِينَ صَدَقُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ يَقُولُ : وَإِذَا كَانُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ يَقُولُ : عَلَى أَمْرٍ يَجْمَعُ جَمِيعَهُمْ مِنْ حَرْبٍ حَضَرَتْ ، أَوْ صَلَاةٍ اجْتُمِعَ لَهَا ، أَوْ تَشَاوُرٍ فِي أَمْرٍ نَزَلَ لَمْ يَذْهَبُوا يَقُولُ : لَمْ يَنْصَرِفُوا عَمَّا اجْتَمَعُوا لَهُ مِنَ الْأَمْرِ ، حَتَّى يَسْتَأْذِنُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَوْلُهُ : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ يَقُولُ : إِذَا كَانَ أَمْرَ طَاعَةٍ لِلَّهِ .
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : قَوْلُهُ : وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ قَالَ : أَمْرٌ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ عَامٌّ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، قَالَ : سَأَلَ مَكْحُولًا الشَّامِيَّ إِنْسَانٌ وَأَنَا أَسْمَعُ ، وَمَكْحُولٌ جَالِسٌ مَعَ عَطَاءٍ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ فَقَالَ مَكْحُولٌ : فِي يَوْمِ الْجُمُعَةَ ، وَفِي زَحْفٍ ، وَفِي كُلِّ أَمْرٍ جَامِعٍ ، قَدْ أَمَرَ أَنْ لَا يَذْهَبَ أَحَدٌ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ حَتَّى يَسْتَأْذِنَ الْإِمَامَ ، وَكَذَلِكَ فِي كُلِّ جَامِعٍ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَقُولُ : وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ . حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ ، قَالَ : ثَنِي ابْنُ عُلَيَّةَ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ ، عَنِ الْحَسَنِ ، قَالَ : كَانَ الرَّجُلُ إِذَا كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ وَالْإِمَامٌ يَخْطُبُ ، قَامَ فَأَمْسَكَ بِأَنْفِهِ ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ الْإِمَامُ أَنْ يَخْرُجَ ، قَالَ : فَكَانَ رَجُلٌ قَدْ أَرَادَ الرُّجُوعَ إِلَى أَهْلِهِ ، فَقَامَ إِلَى هَرِمِ بْنِ حَيَّانَ وَهُوَ يَخْطُبُ ، فَأَخَذَ بِأَنْفِهِ ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ هَرِمٌ أَنْ يَذْهَبَ ، فَخَرَجَ إِلَى أَهْلِهِ فَأَقَامَ فِيهِمْ ، ثُمَّ قَدِمَ ، قَالَ لَهُ هَرِمٌ : أَيْنَ كُنْتَ؟ قَالَ : فِي أَهْلِي؟ قَالَ : أَبِإِذْنٍ ذَهَبْتَ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قُمْتُ إِلَيْكَ وَأَنْتَ تَخْطُبُ فَأَخَذْتُ بِأَنْفِي ، فَأَشَرْتَ إِلَيَّ أَنِ اذْهَبْ فَذَهَبْتُ ، فَقَالَ : أَفَاتَّخَذْتَ هَذَا دَغَلًا؟ أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا ، ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ أَخِّرْ رِجَالَ السُّوءِ إِلَى زَمَانِ السُّوءِ .
حَدَّثَنِي الْحَسَنُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، فِي قَوْلِهِ : وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ قَالَ : هُوَ الْجُمُعَةُ إِذَا كَانُوا مَعَهُ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ . حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ قَالَ : الْأَمْرُ الْجَامِعُ حِينَ يَكُونُوا مَعَهُ فِي جَمَاعَةِ الْحَرْبِ أَوْ جُمُعَةٍ ، قَالَ : وَالْجُمُعَةُ مِنَ الْأَمْرِ الْجَامِعِ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَخْرُجَ إِذَا قَعَدَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلَّا بِإِذْنِ سُلْطَانٍ ، إِذَا كَانَ حَيْثُ يَرَاهُ أَوْ يَقْدِرُ عَلَيْهِ ، وَلَا يَخْرُجُ إِلَّا بِإِذْنٍ ، وَإِذَا كَانَ حَيْثُ لَا يَرَاهُ وَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ ، وَلَا يَصِلُ إِلَيْهِ ، فَاللَّهُ أَوْلَى بِالْعُذْرِ . وَقَوْلُهُ : إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : إِنَّ الَّذِينَ لَا يَنْصَرِفُونَ يَا مُحَمَّدُ إِذَا كَانُوا مَعَكَ فِي أَمْرٍ جَامِعٍ عَنْكَ إِلَّا بِإِذْنِكَ لَهُمْ طَاعَةً مِنْهُمْ لِلَّهِ وَلَكَ ، وَتَصْدِيقًا بِمَا أَتَيْتَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِي ، أُولَئِكَ الَّذِينَ يُصَدِّقُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَقًّا ، لَا مَنْ يُخَالِفُ أَمْرَ اللَّهِ وَأَمْرَ رَسُولِهِ ، فَيَنْصَرِفُ عَنْكَ بِغَيْرِ إِذْنٍ مِنْكَ لَهُ ، بَعْدَ تَقَدُّمِكَ إِلَيْهِ أَنْ لَا يَنْصَرِفَ عَنْكَ إِلَّا بِإِذْنِكَ .
وَقَوْلُهُ : فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : فَإِذَا اسْتَأْذَنَكَ يَا مُحَمَّدُ الَّذِينَ لَا يَذْهَبُونَ عَنْكَ إِلَّا بِإِذْنِكَ فِي هَذِهِ الْمَوَاطِنِ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ ، يَعْنِي : لِبَعْضِ حَاجَاتِهِمُ الَّتِي تَعْرِضُ لَهُمْ ، فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ فِي الِانْصِرَافِ عَنْكَ لِقَضَائِهَا وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ يَقُولُ : وَادْعُ اللَّهَ لَهُمْ بِأَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِالْعَفْوِ عَنْ تَبِعَاتِ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ ( إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ ) لِذُنُوبِ عِبَادِهِ التَّائِبِينَ ، ( رَحِيمٌ ) بِهِمْ أَنْ يُعَاقِبَهُمْ عَلَيْهَا بَعْدَ تَوْبَتِهِمْ مِنْهَا .