الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ . . "
) ﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْـزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلا رَجُلا مَسْحُورًا ﴾( 8 ) ذُكِرَ أَنَّ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ نَزَلَتَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا كَانَ مُشْرِكُو قَوْمِهِ قَالُوا لَهُ لَيْلَةَ اجْتِمَاعِ أَشْرَافِهِمْ بِظَهْرِ الْكَعْبَةِ ، وَعَرَضُوا عَلَيْهِ أَشْيَاءَ ، وَسَأَلُوهُ الْآيَاتِ . فَكَانَ فِيمَا كَلَّمُوهُ بِهِ حِينَئِذٍ ، فِيمَا حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، قَالَ : ثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ ، مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، أَوْ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنْ قَالُوا لَهُ : فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ لَنَا هَذَا - يَعْنِي مَا سَأَلُوهُ مِنْ تَسْيِيرِ جِبَالِهِمْ عَنْهُمْ ، وَإِحْيَاءِ آبَائِهِمْ ، وَالْمَجِيءِ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا وَمَا ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي سُورَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، فَخُذْ لِنَفْسِكَ ، سَلْ رَبَّكَ يَبْعَثُ مَعَكَ مَلَكًا يُصَدِّقُكَ بِمَا تَقُولُ ، وَيُرَاجِعُنَا عَنْكَ ، وَسَلْهُ فَيَجْعَلُ لَكَ قُصُورًا وَجِنَانًا ، وَكُنُوزًا مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ ، تُغْنِيكَ عَمَّا نَرَاكَ تَبْتَغِي ، فَإِنَّكَ تَقُومُ بِالْأَسْوَاقِ ، وَتَلْتَمِسُ الْمَعَاشَ كَمَا نَلْتَمِسُهُ ، حَتَّى نَعْلَمَ فَضْلَكَ وَمَنْزِلَتَكَ مِنْ رَبِّكَ إِنْ كُنْتَ رَسُولًا كَمَا تَزْعُمُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا أَنَا بِفَاعِلٍ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي قَوْلِهِمْ : أَنْ خُذْ لِنَفْسِكَ مَا سَأَلُوهُ ، أَنْ يُأْخَذَ لَهَا ، أَنْ يَجْعَلَ لَهُ جِنَانًا وَقُصُورًا وَكُنُوزًا ، أَوْ يَبْعَثَ مَعَهُ مَلَكًا يُصَدِّقُهُ بِمَا يَقُولُ ، وَيَرُدُّ عَنْهُ مَنْ خَاصَمَهُ . ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ لَوْلا أُنْـزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا ٧ أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْـزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلا رَجُلا مَسْحُورًا ﴾.
فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ : وَقَالَ الْمُشْرِكُونَ مَا لِهَذَا الرَّسُولِ يَعْنُونُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ بَعَثَهُ إِلَيْنَا يَأْكُلُ الطَّعَامَ كَمَا نَأْكُلُ ، وَيَمْشِي فِي أَسْوَاقِنَا كَمَا نَمْشِي لَوْلا أُنْـزِلَ إِلَيْهِ يَقُولُ : هَلَّا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ إِنْ كَانَ صَادِقًا مِنَ السَّمَاءِ ، فَيَكُونُ مَعَهُ مُنْذِرًا لِلنَّاسِ ، مُصَدِّقًا لَهُ عَلَى مَا يَقُولُ ، أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ مِنْ فِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ ، فَلَا يَحْتَاجُ مَعَهُ إِلَى التَّصَرُّفِ فِي طَلَبِ الْمَعَاشِ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَقُولُ : أَوْ يَكُونُ لَهُ بُسْتَانٌ ( يَأْكُلُ مِنْهَا ) . وَاخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ وَبَعْضُ الْكُوفِيِّينَ ( يَأْكُلُ ) بِالْيَاءِ ، بِمَعْنَى : يَأْكُلُ مِنْهَا الرَّسُولُ . وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفِيِّينَ ( نَأْكُلُ مِنْهَا ) بِالنُّونِ ، بِمَعْنَى : نَأْكُلُ مِنَ الْجَنَّةِ .
وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَهُ بِالْيَاءِ ، وَذَلِكَ لِلْخَبَرِ الَّذِي ذَكَرْنَا قَبْلُ بِأَنَّ مَسْأَلَةَ مَنْ سَأَلَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنْ يَسْأَلَ رَبَّهُ هَذِهِ الْخِلَالَ لِنَفْسِهِ لَا لَهُمْ . فَإِذْ كَانَتْ مَسْأَلَتُهُمْ إِيَّاهُ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَقُولُوا لَهُ : سَلْ لِنَفْسِكَ ذَلِكَ لِنَأْكُلَ نَحْنُ . وَبَعْدُ ، فَإِنَّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ : تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ دَلِيلًا بَيِّنًا عَلَى أَنَّهُمْ إِنَّمَا قَالُوا لَهُ : اطْلُبْ ذَلِكَ لِنَفْسِكَ ، لِتَأْكُلَ أَنْتَ مِنْهُ ، لَا نَحْنُ .
وَقَوْلُهُ : ( وَقَالَ الظَّالِمُونَ ) يَقُولُ : وَقَالَ الْمُشْرِكُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ : ( إِنْ تَتَّبِعُونَ ) أَيُّهَا الْقَوْمُ بِاتِّبَاعِكُمْ مُحَمَّدًا ( إِلَّا رَجُلًا ) بِهِ سِحْرٌ .