حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تفسير الطبري

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ . . "

) وَهَذَا احْتِجَاجٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ عَلَى مُشْرِكِي قَوْمِهِ الَّذِينَ قَالُوا : مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ وَجَوَابٌ لَهُمْ عَنْهُ يَقُولُ لَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَمَا أَنْكَرَ يَا مُحَمَّدُ هَؤُلَاءِ الْقَائِلُونَ : مَا لِهَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ ، وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ ، مِنْ أَكْلِكَ الطَّعَامَ ، وَمَشْيِكَ فِي الْأَسْوَاقِ ، وَأَنْتَ لِلَّهِ رَسُولٌ ، فَقَدْ عَلِمُوا أَنَّا مَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونِ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ ، كَالَّذِي تَأْكُلُ أَنْتَ وَتَمْشِي ، فَلَيْسَ لَهُمْ عَلَيْكَ بِمَا قَالُوا مِنْ ذَلِكَ حُجَّةٌ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَإِنَّ ( مِنْ ) لَيْسَتْ فِي التِّلَاوَةِ ، فَكَيْفَ قُلْتَ : مَعْنَى الْكَلَامِ : إِلَّا مِنْ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ؟ قِيلَ : قُلْنَا فِي ذَلِكَ : مَعْنَاهُ : أَنَّ الْهَاءَ وَالْمِيمَ فِي قَوْلِهِ : إِنَّهُمْ ، كِنَايَةُ أَسْمَاءٍ لَمْ تُذْكَرْ ، وَلَا بُدَّ لَهَا مِنْ أَنْ تَعُودَ عَلَى مَنْ كُنِّيَ عَنْهُ بِهَا ، وَإِنَّمَا تَرَكَ ذِكْرَ مِنْ وَإِظْهَارَهُ فِي الْكَلَامِ اكْتِفَاءً بِدَلَالَةِ قَوْلِهِ : ( مِنَ الْمُرْسَلِينَ ) عَلَيْهِ ، كَمَا اكْتُفِيَ فِي قَوْلِهِ : ﴿وَمَا مِنَّا إِلا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ مِنْ إِظْهَارِ مِنْ ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ : وَمَا مِنَّا إِلَّا مَنْ لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ ، كَمَا قِيلَ وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا وَمَعْنَاهُ : وَإِنَّ مِنْكُمْ إِلَّا مَنْ هُوَ وَارِدُهَا ، فَقَوْلُهُ : إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ صِلَةٌ لِمِنَ الْمَتْرُوكِ ، كَمَا يُقَالُ فِي الْكَلَامِ : مَا أَرْسَلْتُ إِلَيْكَ مِنَ النَّاسِ إِلَّا مَنْ إِنَّهُ لَيُبَلِّغُكَ الرِّسَالَةَ ، فَإِنَّهُ لَيُبَلِّغُكَ الرِّسَالَةَ ، صِلَةٌ لِمَنْ . وَقَوْلُهُ : وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَامْتَحَنَّا أَيُّهَا النَّاسُ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ ، جَعَلْنَا هَذَا نَبِيًّا وَخَصَصْنَاهُ بِالرِّسَالَةِ ، وَهَذَا مَلِكًا وَخَصَصْنَاهُ بِالدُّنْيَا ، وَهَذَا فَقِيرًا وَحَرَمْنَاهُ الدُّنْيَا لِنَخْتَبِرَ الْفَقِيرَ بِصَبْرِهِ عَلَى مَا حُرِمَ مِمَّا أُعْطِيَهُ الْغَنِيُّ ، وَالْمَلِكَ بِصَبْرِهِ عَلَى مَا أُعْطِيَهُ الرَّسُولُ مِنَ الْكَرَامَةِ ، وَكَيْفَ رَضِيَ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ بِمَا أُعْطِيَ ، وَقُسِمَ لَهُ ، وَطَاعَتُهُ رَبَّهُ مَعَ مَا حُرِمَ مِمَّا أُعْطِيَ غَيْرُهُ .

يَقُولُ فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ لَمْ أُعْطِ مُحَمَّدًا الدُّنْيَا ، وَجَعَلْتُهُ يَطْلُبُ الْمَعَاشَ فِي الْأَسْوَاقِ ، وَلِأَبْتَلِيَكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ ، وَأَخْتَبِرَ طَاعَتَكُمْ رَبَّكُمْ وَإِجَابَتَكُمْ رَسُولَهُ إِلَى مَا دَعَاكُمْ إِلَيْهِ ، بِغَيْرِ عَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا تَرْجُونَهُ مِنْ مُحَمَّدٍ أَنْ يُعْطِيَكُمْ عَلَى اتِّبَاعِكُمْ إِيَّاهُ ، لِأَنِّي لَوْ أَعْطَيْتُهُ الدُّنْيَا ، لَسَارَعَ كَثِيرٌ مِنْكُمْ إِلَى اتِّبَاعِهِ طَمَعًا فِي دُنْيَاهُ أَنْ يَنَالَ مِنْهَا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ ، قَالَ : ثَنِي عَبْدُ الْقُدُّوسِ ، عَنِ الْحَسَنِ ، فِي قَوْلِهِ : وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً .

الْآيَةَ ، يَقُولُ هَذَا الْأَعْمَى : لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَنِي بَصِيرًا مِثْلَ فُلَانٍ ، وَيَقُولُ هَذَا الْفَقِيرُ : لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَنِي غَنِيًّا مِثْلَ فُلَانٍ ، وَيَقُولُ هَذَا السَّقِيمُ : لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَنِي صَحِيحًا مِثْلَ فُلَانٍ . حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، فِي قَوْلِهِ : وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ قَالَ : يُمْسِكُ عَنْ هَذَا ، وَيُوَسِّعُ عَلَى هَذَا ، فَيَقُولُ : لَمْ يُعْطِنِي مِثْلَ مَا أَعْطَى فُلَانًا ، وَيَبْتَلِي بِالْوَجَعِ كَذَلِكَ ، فَيَقُولُ : لَمْ يَجْعَلْنِي رَبِّي صَحِيحًا مِثْلَ فُلَانٍ فِي أَشْبَاهِ ذَلِكَ مِنَ الْبَلَاءِ ، لِيُعْلَمَ مَنْ يَصْبِرُ مِمَّنْ يَجْزَعُ . حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا سَلَمَةُ ، قَالَ : ثَنِي ابْنُ إِسْحَاقَ ، قَالَ : ثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ ، فِيمَا يَرَى الطَّبَرِيُّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، أَوْ عَنْ سَعِيدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ : مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ .

الْآيَةَ : وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ : أَيْ جَعَلْتُ بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ بَلَاءً لِتَصْبِرُوا عَلَى مَا تَسْمَعُونَ مِنْهُمْ ، وَتَرَوْنَ مِنْ خِلَافِهِمْ ، وَتَتَّبِعُوا الْهُدَى بِغَيْرِ أَنْ أُعْطِيَهُمْ عَلَيْهِ الدُّنْيَا ، وَلَوْ شِئْتُ أَنْ أَجْعَلَ الدُّنْيَا مَعَ رُسُلِي ، فَلَا يُخَالَفُونَ لَفَعَلْتُ ، وَلَكِنِّي قَدْ أَرَدْتُ أَنْ أَبْتَلِيَ الْعِبَادَ بِكُمْ وَأَبْتَلِيَكُمْ بِهِمْ . وَقَوْلُهُ : وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا يَقُولُ : وَرَبُّكَ يَا مُحَمَّدُ بَصِيرٌ بِمَنْ يَجْزَعُ وَمَنْ يَصْبِرُ عَلَى مَا امْتُحِنَ بِهِ مِنَ الْمِحَنِ . كَمَا حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا إِنَّ رَبَّكَ لَبَصِيرٌ بِمَنْ يَجْزَعُ ، وَمَنْ يَصْبِرُ .

القراءات1 آية
سورة الفرقان آية 201 قراءة

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا

  • البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة من طريقي الشاطبية والدرة

    أَنْ أَسْرِ قرأ المدنيان والمكي بوصل همزة أَسْرِ ، ويلزم من هذا كسر النون وصلا ، وإذا وقفوا على النون ابتدءوا بهمزة مكسورة والباقون بهمزة قطع مفتوحة في الحالين مع إسكان النون ، ومن وصل الهمزة رقق الراء وقفا ، ومن قطعها له في الراء الوجهان . بِعِبَادِي إِنَّكُمْ فتح الياء المدنيان وأسكنها غيرهما . حَاذِرُونَ قرأ ابن ذكوان والكوفيون بألف بعد الحاء ، والباقون بحذفها . وَعُيُونٍ كسر العين المكي وابن ذكوان وشعبة والأخوان ، وضمها غيرهم . مَعِيَ رَبِّي فتح الياء حفص ، وأسكنها غيره . سَيَهْدِينِ ، يَهْدِينِ ، وَيَسْقِينِ و يَشْفِينِ و يُحْيِينِ ، وَأَطِيعُونِ ، كل ما في السورة جلي ليعقوب . فِرْقٍ فيه لجميع القراء وجهان صحيحان : الترقيق والتفخيم . ثَمَّ وقف رويس عليه بهاء السكت . لَهُوَ ، عَلَيْهِمْ ، وَقِيلَ ، يَغْفِرَ ، يَنْتَصِرُونَ ، لا يخفى . نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ سهل الهمزة الثانية المدنيان والمكي والبصري ورويس وحققها غيرهم . أَفَرَأَيْتُمْ سهل الثانية المدنيان ، ولورش إبدالها ألفا مع المد المشبع للساكنين في الحالين ، وحذفها الكسائي وحققها الباقون . عَدُوٌّ لِي إِلا ، لأَبِي إِنَّهُ فتح الياء فيهما المدنيان والبصري وأسكنها غيرهم . خَطِيئَتِي وقف عليه حمزة بإبدال الهمزة ياء ، وإدغام الياء قبلها فيها . إِنْ أَجْرِيَ إِلا أسكن الياء ابن كثير وشعبة ويعقوب والأخوان وخلف ، وفتحها الباقون وكذلك جميع ما في السورة . <آية

موقع حَـدِيث