الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ "
) ﴿إِنْ هَذَا إِلا خُلُقُ الأَوَّلِينَ ﴾( 137 ) ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ﴾( 138 ) يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : قَالَتْ عَادٌ لِنَبِيِّهِمْ هُودٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مُعْتَدِلٌ عِنْدَنَا وَعْظُكَ إِيَّانَا ، وَتَرْكُكَ الْوَعْظَ ، فَلَنْ نُؤْمِنَ لَكَ وَلَنْ نُصَدِّقَكَ عَلَى مَا جِئْتَنَا بِهِ . وَقَوْلُهُ : ﴿إِنْ هَذَا إِلا خُلُقُ الأَوَّلِينَ ﴾ اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ ; فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ سِوَى أَبِي جَعْفَرٍ ، وَعَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْهُمْ : ﴿إِنْ هَذَا إِلا خُلُقُ الأَوَّلِينَ ﴾ مِنْ قَبْلِنَا : وَقَرَأَ ذَلِكَ أَبُو جَعْفَرٍ ، وَأَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ : ﴿إِنْ هَذَا إِلا خُلُقُ الأَوَّلِينَ ﴾ بِفَتْحِ الْخَاءِ وَتَسْكِينِ اللَّامِ بِمَعْنَى : مَا هَذَا الَّذِي جِئْتَنَا بِهِ إِلَّا كَذِبُ الْأَوَّلِينَ وَأَحَادِيثُهُمْ . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ ، نَحْوَ اخْتِلَافِ الْقُرَّاءِ فِي قِرَاءَتِهِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَاهُ : مَا هَذَا إِلَّا دِينُ الْأَوَّلِينَ وَعَادَتُهُمْ وَأَخْلَاقُهُمْ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي عَلِيٌّ ، قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِحٍ ، قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَوْلَهُ : ﴿إِنْ هَذَا إِلا خُلُقُ الأَوَّلِينَ ﴾ يَقُولُ : دِينُ الْأَوَّلِينَ . حَدَّثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : ﴿إِنْ هَذَا إِلا خُلُقُ الأَوَّلِينَ ﴾ يَقُولُ : هَكَذَا خِلْقَةُ الْأَوَّلِينَ ، وَهَكَذَا كَانُوا يَحْيَوْنَ وَيَمُوتُونَ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : مَا هَذَا إِلَّا كَذِبُ الْأَوَّلِينَ وَأَسَاطِيرُهُمْ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ﴿إِنْ هَذَا إِلا خُلُقُ الأَوَّلِينَ ﴾ قَالَ : أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ . حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَوْلَهُ : إِلا خُلُقُ الأَوَّلِينَ قَالَ : كَذِبُهُمْ . حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، مِثْلَهُ .
حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : ﴿إِنْ هَذَا إِلا خُلُقُ الأَوَّلِينَ ﴾ قَالَ : إِنْ هَذَا إِلَّا أَمْرُ الْأَوَّلِينَ وَأَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا . حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى ، قَالَ : ثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى ، قَالَ : ثَنَا دَاوُدُ ، عَنْ عَامِرٍ ، عَنْ عَلْقَمَةَ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ : ﴿إِنْ هَذَا إِلا خُلُقُ الأَوَّلِينَ ﴾ يَقُولُ : إِنَّ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقُ الْأَوَّلِينَ . قَالَ ثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، قَالَ .
أَخْبَرَنَا دَاوُدُ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ عَلْقَمَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ ﴿إِنْ هَذَا إِلا خُلُقُ الأَوَّلِينَ ﴾ وَيَقُولُ شَيْءٌ اخْتَلَقُوهُ . حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ دَاوُدَ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، قَالَ : قَالَ عَلْقَمَةُ : ﴿إِنْ هَذَا إِلا خُلُقُ الأَوَّلِينَ ﴾ قَالَ : اخْتِلَاقُ الْأَوَّلِينَ . وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ : قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ ﴿إِنْ هَذَا إِلا خُلُقُ الأَوَّلِينَ ﴾ بِضَمِّ الْخَاءِ وَاللَّامِ ، بِمَعْنَى : إِنْ هَذَا إِلَّا عَادَةُ الْأَوَّلِينَ وَدِينُهُمْ ، كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا عُوتِبُوا عَلَى الْبُنْيَانِ الَّذِي كَانُوا يَتَّخِذُونَهُ ، وَبَطْشِهِمْ بِالنَّاسِ بَطْشَ الْجَبَابِرَةِ ، وَقِلَّةِ شُكْرِهِمْ رَبَّهُمْ فِيمَا أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ ، فَأَجَابُوا نَبِيَّهُمْ بِأَنَّهُمْ يَفْعَلُونَ مَا يَفْعَلُونَ مِنْ ذَلِكَ ، احْتِذَاءً مِنْهُمْ سُنَّةَ مَنْ قَبْلَهُمْ مِنَ الْأُمَمِ ، وَاقْتِفَاءً مِنْهُمْ آثَارَهُمْ ، فَقَالُوا : مَا هَذَا الَّذِي نَفْعَلُهُ إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ ، يَعْنُونَ بِالْخُلُقِ : عَادَةَ الْأَوَّلِينَ .
وَيَزِيدُ ذَلِكَ بَيَانًا وَتَصْحِيحًا لِمَا اخْتَرْنَا مِنَ الْقِرَاءَةِ وَالتَّأْوِيلِ ، قَوْلُهُمْ : ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ﴾ لِأَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا لَا يُقِرُّونَ بِأَنَّ لَهُمْ رَبًّا يَقْدِرُ عَلَى تَعْذِيبِهِمْ ، مَا قَالُوا : ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ﴾ بَلْ كَانُوا يَقُولُونَ : إِنْ هَذَا الَّذِي جِئْتَنَا بِهِ يَا هُودُ إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ ، وَمَا لَنَا مِنْ مُعَذِّبٍ يُعَذِّبُنَا ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا مُقِرِّينَ بِالصَّانِعِ ، وَيَعْبُدُونَ الْآلِهَةَ ، عَلَى نَحْوِ مَا كَانَ مُشْرِكُو الْعَرَبِ يَعْبُدُونَهَا ، وَيَقُولُونَ إِنَّهَا تُقَرِّبُنَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ، فَلِذَلِكَ قَالُوا لِهُودٍ وَهُمْ مُنْكِرُونَ نُبُوَّتَهُ : سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ ثُمَّ قَالُوا لَهُ : مَا هَذَا الَّذِي نَفْعَلُهُ إِلَّا عَادَةَ مَنْ قَبْلَنَا وَأَخْلَاقَهُمْ ، وَمَا اللَّهُ مُعَذِّبُنَا عَلَيْهِ . كَمَا أَخْبَرَنَا تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنِ الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ قَبْلَنَا ، أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ لِرُسُلِهِمْ : إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ .