الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ "
) ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ ﴾( 24 ) يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ قِيلِ الْهُدْهُدِ لِسُلَيْمَانَ مُخْبِرًا بِعُذْرِهِ فِي مَغِيبِهِ عَنْهُ : إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ يَعْنِي تَمْلِكُ سَبَأَ ، وَإِنَّمَا صَارَ هَذَا الْخَبَرُ لِلْهُدْهُدِ عُذْرًا وَحُجَّةً عِنْدَ سُلَيْمَانَ ، دَرَأَ بِهِ عَنْهُ مَا كَانَ أُوعِدُ بِهِ ; لِأَنَّ سُلَيْمَانَ كَانَ لَا يَرَى أَنَّ فِي الْأَرْضِ أَحَدًا لَهُ مَمْلَكَةٌ مَعَهُ ، وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا حُبِّبَ إِلَيْهِ الْجِهَادُ وَالْغَزْوُ ، فَلَمَّا دَلَّهُ الْهُدْهُدُ عَلَى مُلْكٍ بِمَوْضِعٍ مِنَ الْأَرْضِ هُوَ لِغَيْرِهِ ، وَقَوْمٍ كَفَرَةٍ يَعْبُدُونَ غَيْرَ اللَّهِ ، لَهُ فِي جِهَادِهِمْ وَغَزْوِهِمُ الْأَجْرُ الْجَزِيلُ ، وَالثَّوَابُ الْعَظِيمُ فِي الْآجِلِ ، وَضَمُّ مُمْلَكَةٍ لِغَيْرِهِ إِلَى مُلْكِهِ ، حَقَّتْ لِلْهُدْهُدِ الْمَعْذِرَةُ ، وَصَحَّتْ لَهُ الْحُجَّةُ فِي مَغِيبِهِ عَنْ سُلَيْمَانَ . وَقَوْلُهُ : وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يَقُولُ : وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْتَاهُ الْمَلِكُ فِي عَاجِلِ الدُّنْيَا مِمَّا يَكُونُ عِنْدَهُمْ مِنَ الْعَتَادِ وَالْآلَةِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ الْبَاجِيِّ ، عَنِ الْحَسَنِ ، قَوْلَهُ : وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يَعْنِي : مِنْ كُلِّ أَمْرِ الدُّنْيَا . وَقَوْلُهُ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ يَقُولُ : وَلَهَا كُرْسِيٌّ عَظِيمٌ . وَعُنِيَ بِالْعَظِيمِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ : الْعَظِيمَ فِي قَدْرِهِ ، وَعِظَمَ خَطَرِهِ ، لَا عِظَمَهُ فِي الْكِبَرِ وَالسِّعَةِ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَوْلَهُ : وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ قَالَ : سَرِيرٌ كَرِيمٌ ، قَالَ : حَسَنُ الصَّنْعَةِ ، وَعَرْشُهَا : سَرِيرٌ مِنْ ذَهَبٍ قَوَائِمُهُ مِنْ جَوْهَرٍ وَلُؤْلُؤٍ . قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ الْبَاجِيِّ ، عَنِ الْحَسَنِ قَوْلَهُ : وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ يَعْنِي سَرِيرٌ عَظِيمٌ .
وَقَوْلُهُ : وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ يَقُولُ : وَجَدْتُ هَذِهِ الْمَرْأَةَ مَلِكَةَ سَبَأٍ ، وَقَوْمَهَا مِنْ سَبَأٍ ، يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ فَيَعْبُدُونَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ . وَقَوْلُهُ : وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ يَقُولُ : وَحَسَّنَ لَهُمْ إِبْلِيسُ عِبَادَتَهُمُ الشَّمْسَ ، وَسُجُودَهُمْ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ ، وَحَبَّبَ ذَلِكَ إِلَيْهِمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ يَقُولُ : فَمَنَعَهُمْ بِتَزْيِينِهِ ذَلِكَ لَهُمْ أَنْ يَتَّبِعُوا الطَّرِيقَ الْمُسْتَقِيمَ ، وَهُوَ دِينُ اللَّهِ الَّذِي بَعَثَ بِهِ أَنْبِيَاءَهُ ، وَمَعْنَاهُ : فَصَدَّهُمْ عَنْ سَبِيلِ الْحَقِّ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ يَقُولُ : فَهُمْ لِمَا قَدْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا زَيَّنَ مِنَ السُّجُودِ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْكُفْرِ بِهِ لَا يَهْتَدُونَ لِسَبِيلِ الْحَقِّ وَلَا يَسْلُكُونَهُ ، وَلَكِنَّهُمْ فِي ضَلَالِهِمُ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَتَرَدَّدُونَ .