حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تفسير الطبري

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ "

) يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : فَخَسَفْنَا بِقَارُونَ وَأَهْلِ دَارِهِ . وَقِيلَ : وَبِدَارِهِ ، لِأَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ مُوسَى إِذْ أَمَرَ الْأَرْضَ أَنْ تَأْخُذَهُ أَمَرَهَا بِأَخْذِهِ ، وَأَخْذِ مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ جُلَسَائِهِ فِي دَارِهِ ، وَكَانُوا جَمَاعَةً جُلُوسًا مَعَهُ ، وَهُمْ عَلَى مَثَلِ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ مِنَ النِّفَاقِ وَالْمُؤَازَرَةِ عَلَى أَذَى مُوسَى . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : ثَنَا جَابِرُ بْنُ نُوحٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا الْأَعْمَشُ ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : لَمَّا نَزَلَتِ الزَّكَاةُ أَتَى قَارُونُ مُوسَى ، فَصَالَحَهُ عَلَى كُلِّ أَلْفِ دِينَارٍ دِينَارًا ، وَكُلِّ أَلْفِ شَيْءٍ شَيْئًا ، أَوْ قَالَ : وَكُلُّ أَلْفِ شَاةٍ شَاةً الطَّبَرِيُّ يَشُكُّ قَالَ : ثُمَّ أَتَى بَيْتَهُ فَحَسَبَهُ فَوَجَدَهُ كَثِيرًا ، فَجَمَعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، فَقَالَ : يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ، إِنَّ مُوسَى قَدْ أَمَرَكُمْ بِكُلِّ شَيْءٍ فَأَطَعْتُمُوهُ ، وَهُوَ الْآنُ يُرِيدُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ أَمْوَالِكُمْ ، فَقَالُوا : أَنْتَ كَبِيرُنَا وَأَنْتَ سَيِّدُنَا ، فَمُرْنَا بِمَا شِئْتَ ، فَقَالَ : آمُرُكُمْ أَنْ تَجِيئُوا بِفُلَانَةَ الْبَغِيِّ ، فَتَجْعَلُوا لَهَا جَعْلًا فَتَقْذِفُهُ بِنَفْسِهَا ، فَدَعَوْهَا فَجَعَلَ لَهَا جَعْلًا عَلَى أَنْ تَقْذِفَهُ بِنَفْسِهَا ، ثُمَّ أَتَى مُوسَى ، فَقَالَ لِمُوسَى : إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدِ اجْتَمَعُوا لِتَأْمُرَهُمْ وَلِتَنْهَاهُمْ ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ وَهُمْ فِي بَرَاحٍ مِنَ الْأَرْضِ ، فَقَالَ : يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مَنْ سَرَقَ قَطَعْنَا يَدَهُ ، وَمَنِ افْتَرَى جَلَدْنَاهُ ، وَمَنْ زَنَى وَلَيْسَ لَهُ امْرَأَةٌ جَلَدْنَاهُ مِائَةً ، وَمَنْ زَنَى وَلَهُ امْرَأَةٌ جَلَدْنَاهُ حَتَّى يَمُوتَ ، أَوْ رَجَمْنَاهُ حَتَّى يَمُوتَ الطَّبَرِيُّ يَشُكُّ فَقَالَ لَهُ قَارُونُ : وَإِنْ كُنْتَ أَنْتَ ؟ قَالَ : وَإِنْ كُنْتُ أَنَا ، قَالَ : فَإِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَزْعُمُونَ أَنَّكَ فَجَرْتَ بِفُلَانَةَ .

قَالَ : ادْعُوهَا ، فَإِنْ قَالَتْ ، فَهُوَ كَمَا قَالَتْ ; فَلَمَّا جَاءَتْ قَالَ لَهَا مُوسَى : يَا فُلَانَةُ ، قَالَتْ : يَا لَبَّيْكَ ، قَالَ : أَنَا فَعَلْتُ بِكِ مَا يَقُولُ هَؤُلَاءِ ؟ قَالَتْ : لَا وَكَذَبُوا ، وَلَكِنْ جَعَلُوا لِي جَعْلًا عَلَى أَنْ أَقْذِفَكَ بِنَفْسِي ; فَوَثَبَ ، فَسَجَدَ وَهُوَ بَيْنَهُمْ ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ : مُرِ الْأَرْضَ بِمَا شِئْتَ ، قَالَ : يَا أَرْضُ خُذِيهِمْ ! فَأَخَذَتْهُمْ إِلَى أَقْدَامِهِمْ . ثُمَّ قَالَ : يَا أَرْضُ خُذِيهِمْ ، فَأَخَذَتْهُمْ إِلَى رُكَبِهِمْ . ثُمَّ قَالَ : يَا أَرْضُ خُذِيهِمْ ، فَأَخَذَتْهُمْ إِلَى حُقِيِّهِمْ ثُمَّ قَالَ : يَا أَرْضُ خُذِيهِمْ ، فَأَخَذَتْهُمْ إِلَى أَعْنَاقِهِمْ ; قَالَ : فَجَعَلُوا يَقُولُونَ : يَا مُوسَى يَا مُوسَى ، وَيَتَضَرَّعُونَ إِلَيْهِ .

قَالَ : يَا أَرْضُ خُذِيهِمْ ، فَانْطَبَقَتْ عَلَيْهِمْ ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ : يَا مُوسَى ، يَقُولُ لَكَ عِبَادِي : يَا مُوسَى ، يَا مُوسَى فَلَا تَرْحَمُهُمْ ؟ أَمَا لَوْ إِيَّايَ دَعَوْا ، لَوَجَدُونِي قَرِيبًا مُجِيبًا ; قَالَ : فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ : فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ وَكَانَتْ زِينَتُهُ أَنَّهُ خَرَجَ عَلَى دَوَابَّ شُقْرٍ عَلَيْهَا سُرُوجٌ حُمْرٌ ، عَلَيْهِمْ ثِيَابٌ مَصْبَغَةٌ بِالْبَهْرَمَانِ . قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ . إِلَى قَوْلِهِ : إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ يَا مُحَمَّدُ ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ .

حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْنُ عِيسَى ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنِ الْمِنْهَالِ ، عَنْ رَجُلٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَمَّا أَمَرَ اللَّهُ مُوسَى بِالزَّكَاةِ ، قَالَ : رَمَوْهُ بِالزِّنَا ، فَجَزِعَ مِنْ ذَلِكَ ، فَأَرْسَلُوا إِلَى امْرَأَةٍ كَانَتْ قَدْ أَعْطَوْهَا حُكْمَهَا ، عَلَى أَنْ تَرْمِيَهُ بِنَفْسِهَا ; فَلَمَّا جَاءَتْ عَظُمَ عَلَيْهَا ، وَسَأَلَهَا بِالَّذِي فَلَقَ الْبَحْرَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى إِلَّا صَدَقْتِ . قَالَتْ : إِذْ قَدِ اسْتَحْلَفْتَنِي ، فَإِنِّي أَشْهَدُ أَنَّكَ بَرِيءٌ ، وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ، فَخَرَّ سَاجِدًا يَبْكِي ، فَأَوْحَى اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : مَا يُبْكِيكَ ؟ قَدْ سَلَّطْنَاكَ عَلَى الْأَرْضِ ، فَمُرْهَا بِمَا شِئْتَ ، فَقَالَ : خُذِيهِمْ ، فَأَخَذَتْهُمْ إِلَى مَا شَاءَ اللَّهُ ، فَقَالُوا : يَا مُوسَى ، يَا مُوسَى ، فَقَالَ : خُذِيهِمْ ، فَأَخَذَتْهُمْ إِلَى مَا شَاءَ اللَّهُ ، فَقَالُوا : يَا مُوسَى ، يَا مُوسَى ، فَخَسَفَتْهُمْ . قَالَ : وَأَصَابَ بَنِي إِسْرَائِيلَ بَعْدَ ذَلِكَ شِدَّةٌ وَجُوعٌ شَدِيدٌ ، فَأَتَوْا مُوسَى ، فَقَالُوا : ادْعُ لَنَا رَبَّكَ ; قَالَ : فَدَعَا لَهُمْ ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ : يَا مُوسَى ، أَتُكَلِّمُنِي فِي قَوْمٍ قَدْ أَظْلَمَ مَا بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ خَطَايَاهُمْ ، وَقَدْ دَعَوْكَ فَلَمْ تُجِبْهُمْ ، أَمَا إِيَّايَ لَوْ دَعَوْا لَأَجَبْتُهُمْ .

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ ، قَالَ : ثَنَا أَبِي ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنِ الْمِنْهَالِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ قَالَ : قِيلَ لِلْأَرْضِ خُذِيهِمْ ، فَأَخَذَتْهُمْ إِلَى أَعْقَابِهِمْ ; ثُمَّ قِيلَ لَهَا : خُذِيهِمْ ، فَأَخَذَتْهُمْ إِلَى رُكَبِهِمْ ; ثُمَّ قِيلَ لَهَا : خُذِيهِمْ ، فَأَخَذَتْهُمْ إِلَى أَحْقَائِهِمْ ; ثُمَّ قِيلَ لَهَا : خُذِيهِمْ ، فَأَخَذَتْهُمْ إِلَى أَعْنَاقِهِمْ ; ثُمَّ قِيلَ لَهَا : خُذِيهِمْ ، فَخُسِفَ بِهِمْ ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ : فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ . حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنَا عَلِيُّ بْنُ هَاشِمِ بْنِ الْبَرِيدِ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنِ الْمِنْهَالِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فِي قَوْلِهِ : إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى قَالَ : كَانَ ابْنَ عَمِّهِ ، وَكَانَ مُوسَى يَقْضِي فِي نَاحِيَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَقَارُونُ فِي نَاحِيَةٍ ، قَالَ : فَدَعَا بَغِيَّةً كَانَتْ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ ، فَجَعَلَ لَهَا جَعْلًا عَلَى أَنْ تَرْمِيَ مُوسَى بِنَفْسِهَا ، فَتَرَكَتْهُ إِذَا كَانَ يَوْمٌ تَجْتَمِعُ فِيهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى مُوسَى ، أَتَاهُ قَارُونُ فَقَالَ : يَا مُوسَى مَا حَدُّ مَنْ سَرَقَ ؟ قَالَ : أَنْ تَنْقَطِعَ يَدُهُ ، قَالَ : وَإِنْ كُنْتَ أَنْتَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ; قَالَ . فَمَا حَدٌّ مَنْ زَنَى ؟ قَالَ : أَنْ يُرْجَمَ ، قَالَ : وَإِنْ كُنْتَ أَنْتَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ; قَالَ : فَإِنَّكَ قَدْ فَعَلْتَ ، قَالَ : وَيْلَكَ بِمَنْ ؟ قَالَ : بِفُلَانَةَ ، فَدَعَاهَا مُوسَى ، فَقَالَ : أَنْشُدُكِ بِالَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ ، أَصَدَقَ قَارُونُ ؟ قَالَتِ : اللَّهُمَّ إِذْ نَشَدْتَنِي ، فَإِنِّي أَشْهَدُ أَنَّكَ بَرِيءٌ ، وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ، وَأَنَّ عَدُوَّ اللَّهِ قَارُونَ جَعَلَ لِي جَعْلًا عَلَى أَنْ أَرْمِيَكَ بِنَفْسِي ; قَالَ : فَوَثَبَ مُوسَى ، فَخَرَّ سَاجِدًا لِلَّهِ ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنِ ارْفَعْ رَأْسَكَ ، فَقَدْ أَمَرْتُ الْأَرْضَ أَنْ تُطِيعَكَ ، فَقَالَ مُوسَى : يَا أَرْضُ خُذِيهِمْ ، فَأَخَذَتْهُمْ حَتَّى بَلَغُوا الْحَقْوَ ، قَالَ : يَا مُوسَى ; قَالَ : خُذِيهِمْ ، فَأَخَذَتْهُمْ حَتَّى بَلَغُوا الصُّدُورَ ، قَالَ : يَا مُوسَى ، قَالَ : خُذِيهِمْ ، قَالَ : فَذَهَبُوا .

قَالَ : فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ يَا مُوسَى : اسْتَغَاثَ بِكَ فَلَمْ تُغِثْهُ ، أَمَا لَوِ اسْتَغَاثَ بِي لَأَجَبْتُهُ وَلَأَغَثْتُهُ . حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ هِلَالٍ الصَّوَّافُ ، قَالَ : ثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ الضُّبَعِيُّ ، قَالَ : ثَنَا عَلِيُّ بْنُ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ ، قَالَ : خَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ مِنَ الدَّارِ ، وَدَخَلَ الْمَقْصُورَةَ ; فَلَمَّا خَرَجَ مِنْهَا ، جَلَسَ وَتَسَانَدَ عَلَيْهَا ، وَجَلَسْنَا إِلَيْهِ ، فَذَكَرَ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ ﴿قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ . إِلَى قَوْلِهِ : إِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ثُمَّ سَكَتَ عَنْ ذِكْرِ سُلَيْمَانَ ، فَقَالَ : إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَكَانَ قَدْ أُوتِيَ مِنَ الْكُنُوزِ مَا ذَكَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ ، قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي قَالَ : وَعَادَى مُوسَى ، وَكَانَ مُؤْذِيًا لَهُ ، وَكَانَ مُوسَى يَصْفَحُ عَنْهُ وَيَعْفُو ، لِلْقَرَابَةِ ، حَتَّى بَنَى دَارًا ، وَجَعَلَ بَابَ دَارِهِ مِنْ ذَهَبٍ ، وَضَرَبَ عَلَى جُدْرَانِهِ صَفَائِحَ الذَّهَبِ ، وَكَانَ الْمَلَأُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَغْدُونَ عَلَيْهِ وَيَرُوحُونَ ، فَيُطْعِمُهُمُ الطَّعَامَ ، وَيُحَدِّثُونَهُ وَيُضْحِكُونَهُ ، فَلَمْ تَدَعْهُ شِقْوَتُهُ وَالْبَلَاءُ ، حَتَّى أَرْسَلَ إِلَى امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مَشْهُورَةٍ بِالْخَنَا ، مَشْهُورَةٍ بِالسَّبِّ ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا فَجَاءَتْهُ ، فَقَالَ لَهَا : هَلْ لَكِ أَنْ أُمَوِّلَكِ وَأُعْطِيَكِ ، وَأُخْلِطُكِ فِي نِسَائِي ، عَلَى أَنْ تَأْتِينِي وَالْمَلَأُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عِنْدِي ، فَتَقُولِي : يَا قَارُونُ ، أَلَا تَنْهَى عَنِّي مُوسَى ، قَالَتْ : بَلَى .

فَلَمَّا جَلَسَ قَارُونُ ، وَجَاءَ الْمَلَأُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، أَرْسَلَ إِلَيْهَا ، فَجَاءَتْ فَقَامَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَقَلَّبَ اللَّهُ قَلْبَهَا ، وَأَحْدَثَ لَهَا تَوْبَةً ، فَقَالَتْ فِي نَفْسِهَا : لِأَنْ أُحْدِثَ الْيَوْمَ تَوْبَةً ، أَفْضَلُ مِنْ أَنْ أُوذِيَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأُكَذِّبَ عَدُوَّ اللَّهِ لَهُ . فَقَالَتْ : إِنَّ قَارُونَ قَالَ لِي : هَلْ لَكِ أَنْ أُمَوِّلَكِ وَأُعْطِيَكِ ، وَأُخْلِطَكِ بِنِسَائِي ، عَلَى أَنْ تَأْتِينِي وَالْمَلَأُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عِنْدِي ، فَتَقُولِي : يَا قَارُونُ أَلَا تَنْهَى عَنِّي مُوسَى ، فَلَمْ أَجِدْ تَوْبَةً أَفْضَلَ مِنْ أَنْ لَا أُوذِيَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأُكَذِّبَ عَدُوَّ اللَّهِ ; فَلَمَّا تَكَلَّمَتْ بِهَذَا الْكَلَامِ ، سَقَطَ فِي يَدِي قَارُونَ ، وَنَكَّسَ رَأْسَهُ ، وَسَكَتَ الْمَلَأُ وَعَرَفَ أَنَّهُ قَدْ وَقَعَ فِي هَلَكَةٍ ، وَشَاعَ كَلَامُهَا فِي النَّاسِ ، حَتَّى بَلَغَ مُوسَى ; فَلَمَّا بَلَغَ مُوسَى اشْتَدَّ غَضَبُهُ ، فَتَوَضَّأَ مِنَ الْمَاءِ ، وَصَلَّى وَبَكَى ، وَقَالَ : يَا رَبِّ عَدُوُّكَ لِي مُؤْذٍ ، أَرَادَ فَضِيحَتِي وَشَيْنِي ، يَا رَبِّ سَلِّطْنِي عَلَيْهِ . فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنْ مُرِ الْأَرْضَ بِمَا شِئْتَ تُطِعْكَ .

فَجَاءَ مُوسَى إِلَى قَارُونَ ; فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ ، عَرَفَ الشَّرَّ فِي وَجْهِ مُوسَى لَهُ ، فَقَالَ : يَا مُوسَى ارْحَمْنِي ; قَالَ : يَا أَرْضُ خُذِيهِمْ ، قَالَ : فَاضْطَرَبَتْ دَارُهُ ، وَسَاخَتْ بِقَارُونَ وَأَصْحَابِهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ، وَجَعَلَ يَقُولُ : يَا مُوسَى ، فَأَخَذَتْهُمْ إِلَى رُكَبِهِمْ ، وَهُوَ يَتَضَرَّعُ إِلَى مُوسَى : يَا مُوسَى ارْحَمْنِي ; قَالَ : يَا أَرْضُ خُذِيهِمْ ، قَالَ فَاضْطَرَبَتْ دَارُهُ وَسَاخَتْ وَخُسِفَ بِقَارُونَ وَأَصْحَابِهِ إِلَى سُرَرِهِمْ ، وَهُوَ يَتَضَرَّعُ إِلَى مُوسَى : يَا مُوسَى ارْحَمْنِي ; قَالَ : يَا أَرْضُ خُذِيهِمْ ، فَخُسِفَ بِهِ وَبِدَارِهِ وَأَصْحَابِهِ . قَالَ : وَقِيلَ لِمُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا مُوسَى مَا أَفَظَّكَ ، أَمَا وَعِزَّتِي لَوْ إِيَّايَ نَادَى لَأَجَبْتُهُ . حَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ هِلَالٍ ، قَالَ : ثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ ، قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّهُ قِيلَ لِمُوسَى : لَا أُعَبِّدُ الْأَرْضَ لِأَحَدٍ بَعْدَكَ أَبَدًا .

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ ، قَالَ : ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، وَعَبْدُ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيُّ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنِ الْأَغَرِّ بْنِ الصَّبَّاحِ ، عَنْ خَلِيفَةَ بْنِ حُصَيْنٍ ، قَالَ عَبْدُ الْحَمِيدِ ، عَنْ أَبِي نَصْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ مَهْدِيٍّ أَبَا نَصْرٍ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ قَالَ : الْأَرْضَ السَّابِعَةَ . حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَالَ : بَلَغَنَا أَنَّهُ يُخْسَفُ بِهِ كُلَّ يَوْمٍ مِائَةُ قَامَةٍ ، وَلَا يَبْلُغُ أَسْفَلَ الْأَرْضِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِيهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ . حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ ، قَالَ : ثَنَا زَيْدُ بْنُ حِبَّانَ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ ، قَالَ : سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ دِينَارٍ ، قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ قَارُونَ يُخْسَفُ بِهِ كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ قَامَةٍ .

حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ ذُكِرَ لِمَا أَنَّهُ يُخْسَفُ بِهِ كُلَّ يَوْمٍ قَامَةٌ ، وَأَنَّهُ يَتَجَلْجَلُ فِيهَا ، لَا يَبْلُغُ قَعْرَهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ . وَقَوْلُهُ : فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ يَقُولُ : فَلَمْ يَكُنْ لَهُ جُنْدٌ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ ، وَلَا فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ لِمَا نَزَلَ بِهِ مِنْ سَخَطِهِ ، بَلْ تَبَرَّءُوا مِنْهُ . وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ يَقُولُ : وَلَا كَانَ هُوَ مِمَّنْ يَنْتَصِرُ مِنَ اللَّهِ إِذَا أَحَلَّ بِهِ نِقْمَتَهُ ، فَيَمْتَنِعُ لِقُوَّتِهِ مِنْهَا .

وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ ، قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ أَيْ جُنْدٍ يَنْصُرُونَهُ ، وَمَا عِنْدَهُ مَنَعَةٌ يَمْتَنِعُ بِهَا مِنَ اللَّهِ . وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْفِئَةِ فِيمَا مَضَى وَأَنَّهَا الْجَمَاعَةُ مِنَ النَّاسِ ، وَأَصْلُهَا الْجَمَاعَةُ الَّتِي يَفِيءُ إِلَيْهَا الرَّجُلُ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِمْ ، لِلْعَوْنِ عَلَى الْعَدُوِّ ، ثُمَّ تَسْتَعْمِلُ ذَلِكَ الْعَرَبُ فِي كُلِّ جَمَاعَةٍ كَانَتْ عَوْنًا لِلرَّجُلِ ، وَظَهْرًا لَهُ ; وَمِنْهُ قَوْلُ خَفَّافٍ : فَلَمْ أَرَ مِثْلَهُمْ حَيًّا لَقَاحًا وَجَدُّكَ بَيْنَ نَاضِحَةٍ وَحَجْرِ أَشَدَّ عَلَى صُرُوفِ الدَّهْرِ آدًا وَأَكْبَرَ مِنْهُمُ فِئَةً بِصَبْرِ

موقع حَـدِيث