الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا . . . "
) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - مُخْبِرًا عَنْ قِيلِ خَلِيلِهِ إِبْرَاهِيمَ لِقَوْمِهِ : إِنَّمَا تَعْبُدُونَ - أَيُّهَا الْقَوْمُ - مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا ، يَعْنِي مُثُلًا . كَمَا حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا أَصْنَامًا . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَاهُ : وَتَصْنَعُونَ كَذِبًا .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا عَلِيٌّ قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا يَقُولُ : تَصْنَعُونَ كَذِبًا . وَقَالَ آخَرُونَ : وَتَقُولُونَ كَذِبًا . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا يَقُولُ : وَتَقُولُونَ إِفْكًا .
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا يَقُولُ : تَقُولُونَ كَذِبًا . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : وَتَنْحِتُونَ إِفْكًا . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا قَالَ : تَنْحِتُونَ تُصَوِّرُونَ إِفْكًا .
حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا أَيْ : تَصْنَعُونَ أَصْنَامًا . حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا : الْأَوْثَانُ الَّتِي يَنْحِتُونَهَا بِأَيْدِيهِمْ . وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ : مَعْنَاهُ : وَتَصْنَعُونَ كَذِبًا .
وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْخَلْقِ فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ . فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذَنْ : إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا ، وَتَصْنَعُونَ كَذِبًا وَبَاطِلًا . وَإِنَّمَا فِي قَوْلِهِ : ( إِفْكًا ) مَرْدُودٌ عَلَى إِنَّمَا ، كَقَوْلِ الْقَائِلِ : إِنَّمَا تَفْعَلُونَ كَذَا ، وَإِنَّمَا تَفْعَلُونَ كَذَا .
وَقَرَأَ جَمِيعُ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ : وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا بِتَخْفِيفِ الْخَاءِ مِنْ قَوْلِهِ : ( وَتَخْلُقُونَ ) وَضَمِّ اللَّامِ مِنَ الْخَلْقِ . وَذُكِرَ عَنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُلَمِيِّ أَنَّهُ قَرَأَ : وَتُخَلِّقُونَ إِفْكًا بِفَتْحِ الْخَاءِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ مِنَ التَّخْلِيقِ . وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا مَا عَلَيْهِ قُرَّاءُ الْأَمْصَارِ ؛ لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَيْهِ .
وَقَوْلُهُ : إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا يَقُولُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : إِنَّ أَوْثَانَكُمُ الَّتِي تَعْبُدُونَهَا ، لَا تَقْدِرُ أَنْ تَرْزُقَكُمْ شَيْئًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ يَقُولُ : فَالْتَمِسُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ لَا مِنْ عِنْدِ أَوْثَانِكُمْ ، تُدْرِكُوا مَا تَبْتَغُونَ مِنْ ذَلِكَ ( وَاعْبُدُوهُ ) يَقُولُ : وَذِلُّوا لَهُ ( وَاشْكُرُوا لَهُ ) عَلَى رِزْقِهِ إِيَّاكُمْ ، وَنِعَمِهِ الَّتِي أَنْعَمَهَا عَلَيْكُمْ ، يُقَالُ : شَكَرْتُهُ ، وَشَكَرْتُ لَهُ أَفْصَحُ مِنْ شَكَرْتُهُ . وَقَوْلُهُ : ( إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) يَقُولُ : إِلَى اللَّهِ تُرَدُّونَ مِنْ بَعْدِ مَمَاتِكُمْ ، فَيَسْأَلُكُمْ عَمَّا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ عِبَادَتِكُمْ غَيْرَهُ ، وَأَنْتُمْ عِبَادُهُ وَخَلْقُهُ ، وَفِي نِعَمِهِ تَتَقَلَّبُونَ ، وَرِزْقَهُ تَأْكُلُونَ .