الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ . . . "
) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : فَأَخَذْنَا جَمِيعَ هَذِهِ الْأُمَمِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا لَكَ يَا مُحَمَّدُ بِعَذَابِنَا فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَهُمْ قَوْمُ لُوطٍ الَّذِينَ أَمْطَرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الرِّيحَ الْعَاصِفَ الَّتِي فِيهَا الْحَصَى الصِّغَارُ أَوِ الثَّلْجُ أَوِ الْبَرَدُ وَالْجَلِيدُ حَاصِبًا ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْأَخْطَلِ : وَلَقَدْ عَلِمْتُ إِذَا الْعِشَارُ تَرَوَّحَتْ هَدَجَ الرِّئَالُ يَكُبُّهُنَّ شَمَالَا تَرْمِي الْعِضَاهَ بِحَاصِبٍ مِنْ ثَلْجِهَا حَتَّى يَبِيتَ عَلَى الْعِضَاهِ جُفَالَا وَقَالَ الْفَرَزْدَقُ : مُسْتَقْبِلِينَ شَمَالَ الشَّأْمِ تَضْرِبُنَا بِحَاصِبٍ كَنَدِيفِ الْقُطْنِ مَنْثُورِ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا قَوْمُ لُوطٍ . حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَهُمْ قَوْمُ لُوطٍ وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ .
اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الَّذِينَ عُنُوا بِذَلِكَ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُمْ ثَمُودُ قَوْمُ صَالِحٍ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ ثَمُودُ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هُمْ قَوْمُ شُعَيْبٍ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ قَوْمُ شُعَيْبٍ . وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَخْبَرَ عَنْ ثَمُودَ وَقَوْمِ شُعَيْبٍ مِنْ أَهْلِ مَدْيَنَ أَنَّهُ أَهْلَكَهُمْ بِالصَّيْحَةِ فِي كِتَابِهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ ، ثُمَّ قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِنَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فَمِنَ الْأُمَمِ الَّتِي أَهْلَكْنَاهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ ، فَلَمْ يُخَصِّصِ الْخَبَرَ بِذَلِكَ عَنْ بَعْضِ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ مِنَ الْأُمَمِ دُونَ بَعْضٍ ، وَكِلَا الْأُمَّتَيْنِ أَعْنِي ثَمُودَ وَمَدْيَنَ قَدْ أَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ . وَقَوْلُهُ : وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ يَعْنِي بِذَلِكَ قَارُونَ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ قَارُونُ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا يَعْنِي : قَوْمَ نُوحٍ وَفِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي ذَلِكَ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : عَنَى بِذَلِكَ : قَوْمَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا قَوْمُ نُوحٍ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هُمْ قَوْمُ فِرْعَوْنَ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا قَوْمُ فِرْعَوْنَ .
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ ، أَنْ يُقَالَ : عُنِيَ بِهِ قَوْمُ نُوحٍ وَفِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يُخَصِّصْ بِذَلِكَ إِحْدَى الْأُمَّتَيْنِ دُونَ الْأُخْرَى ، وَقَدْ كَانَ أَهْلَكَهُمَا قَبْلَ نُزُولِ هَذَا الْخَبَرِ عَنْهُمَا ، فَهُمَا مَعْنِيَّتَانِ بِهِ . وَقَوْلُهُ : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَلَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيُهْلِكَ هَؤُلَاءِ الْأُمَمَ الَّذِينَ أَهْلَكَهُمْ ، بِذُنُوبِ غَيْرِهِمْ ، فَيَظْلِمَهُمْ بِإِهْلَاكِهِ إِيَّاهُمْ بِغَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ ، بَلْ إِنَّمَا أَهْلَكَهُمْ بِذُنُوبِهِمْ ، وَكُفْرِهِمْ بِرَبِّهِمْ ، وَجُحُودِهِمْ نِعَمَهُ عَلَيْهِمْ ، مَعَ تَتَابُعِ إِحْسَانِهِ عَلَيْهِمْ ، وَكَثْرَةِ أَيَادِيهِ عِنْدَهُمْ ، وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ بِتَصَرُّفِهِمْ فِي نِعَمِ رَبِّهِمْ ، وَتَقَلُّبِهِمْ فِي آلَائِهِ وَعِبَادَتِهِمْ غَيْرَهُ ، وَمَعْصِيَتِهِمْ مَنْ أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ .