الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً . . . "
) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - لِهَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبِينَ بِالْبَعْثِ مِنْ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ ، مُحْتَجًّا عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُ الْقَادِرُ عَلَى ذَلِكَ ، وَعَلَى مَا يَشَاءُ : اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ ( مِنْ ضَعْفٍ ) يَقُولُ : مِنْ نُطْفَةٍ وَمَاءٍ مَهِينٍ ، فَأَنْشَأَكُمْ بَشَرًا سَوِيًّا ، ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً يَقُولُ : ثُمَّ جَعَلَ لَكُمْ قُوَّةً عَلَى التَّصَرُّفِ ، مِنْ بَعْدِ خَلْقِهِ إِيَّاكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ، وَمِنْ بَعْدِ ضَعْفِكُمْ بِالصِّغَرِ وَالطُّفُولَةِ ، ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَقُولُ : ثُمَّ أَحْدَثَ لَكُمُ الضَّعْفَ ، بِالْهَرَمِ وَالْكِبَرِ عَمَّا كُنْتُمْ عَلَيْهِ أَقْوِيَاءَ فِي شَبَابِكُمْ ، وَشَيْبَةً . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ أَيْ : مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا : الْهَرَمُ ( وَشَيْبَةً ) : الشَّمَطُ .
وَقَوْلُهُ : يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ مِنْ ضَعْفٍ وَقُوَّةٍ وَشَبَابٍ وَشَيْبٍ ( وَهُوَ الْعَلِيمُ ) بِتَدْبِيرِ خَلْقِهِ ( الْقَدِيرُ ) عَلَى مَا يَشَاءُ ، لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ شَيْءٌ أَرَادَهُ ، فَكَمَا فَعَلَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ ، فَكَذَلِكَ يُمِيتُ خَلْقَهُ وَيُحْيِيهِمْ إِذَا شَاءَ . يَقُولُ : وَاعْلَمُوا أَنَّ الَّذِي فَعَلَ هَذِهِ الْأَفْعَالَ بِقُدْرَتِهِ يُحْيِي الْمَوْتَى إِذَا شَاءَ .