الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ . . . "
) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : لَمْ يَكُنْ لِمُؤْمِنٍ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ، وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ فِي أَنْفُسِهِمْ قَضَاءً أَنْ يَتَخَيَّرُوا مِنْ أَمْرِهِمْ غَيْرَ الَّذِي قَضَى فِيهِمْ ، وَيُخَالِفُوا أَمْرَ اللَّهِ وَأَمْرَ رَسُولِهِ وَقَضَاءَهُمَا فَيَعْصُوهُمَا ، وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فِيمَا أَمَرَا أَوْ نَهَيَا فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُبِينًا يَقُولُ : فَقَدْ جَارَ عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ ، وَسَلَكَ غَيْرَ سَبِيلِ الْهُدَى وَالرَّشَادِ . وَذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ حِينَ خَطَبَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى فَتَاهُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ ، فَامْتَنَعَتْ مِنْ إِنْكَاحِهِ نَفْسَهَا . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا إِلَى آخِرِ الْآيَةِ ، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انْطَلَقَ يَخْطُبُ عَلَى فَتَاهُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ ، فَدَخَلَ عَلَى زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ الْأَسْدِيَةِ فَخَطَبَهَا ، فَقَالَتْ : لَسْتُ بِنَاكِحَتِهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فَانْكِحِيهِ ، فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أُؤَمِّرُ فِي نَفْسِي ، فَبَيْنَمَا هُمَا يَتَحَدَّثَانِ أَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ عَلَى رَسُولِهِ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِلَى قَوْلِهِ ضَلالا مُبِينًا قَالَتْ : قَدْ رَضِيتَهُ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ مُنْكِحًا ؟ قَالَ : نَعَمْ قَالَتْ : إِذَنْ لَا أَعْصِي رَسُولَ اللَّهِ ، قَدْ أَنْكَحْتُهُ نَفْسِي .
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الْخِيرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ قَالَ : زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ وَكَرَاهَتُهَا نِكَاحَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ حِينَ أَمَرَهَا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ قَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ، وَكَانَتْ بِنْتُ عَمَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَخَطَبَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَضِيَتْ وَرَأَتْ أَنَّهُ يَخْطُبُهَا عَلَى نَفْسِهِ ، فَلَمَّا عَلِمَتْ أَنَّهُ يَخْطُبُهَا عَلَى زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ أَبَتْ وَأَنْكَرَتْ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ قَالَ : فَتَابَعَتْهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَرَضِيَتْ . حَدَّثَنِي أَبُو عَبِيدٍ الْوَصَّافِيُّ قَالَ : ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حِمْيَرٍ قَالَ : ثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَمْرَةَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ لِزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ ، فَاسْتَنْكَفَتْ مِنْهُ وَقَالَتْ : أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ حَسَبًا وَكَانَتِ امْرَأَةً فِيهَا حِدَّةٌ ؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا الْآيَةَ كُلَّهَا .
وَقِيلَ : نَزَلَتْ فِي أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ ، وَذَلِكَ أَنَّهَا وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَزَوَّجَهَا زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا إِلَى آخِرِ الْآيَةِ ، قَالَ : نَزَلَتْ فِي أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ ، وَكَانَتْ مِنْ أَوَّلِ مَنْ هَاجَرَ مِنَ النِّسَاءِ ، فَوَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَزَوَّجَهَا زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ ، فَسَخِطَتْ هِيَ وَأَخُوهَا ، وَقَالَا إِنَّمَا أَرَدْنَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَزَوَّجَنَا عَبْدَهُ . قَالَ : فَنَزَلَ الْقُرْآنُ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ .
قَالَ : وَجَاءَ أَمْرٌ أَجْمَعُ مِنْ هَذَا النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ قَالَ : فَذَاكَ خَاصٌّ ، وَهَذَا إِجْمَاعٌ .