الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ "
) ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأَحْزَابِ ﴾( 11 ) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : أَمْ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ هُمْ فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَإِنَّهُ لَا يُعَازُّنِي وَيُشَاقُّنِي مَنْ كَانَ فِي مُلْكِي وَسُلْطَانِي . وَقَوْلُهُ فَلْيَرْتَقُوا فِي الأَسْبَابِ يَقُولُ : وَإِنْ كَانَ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ، فَلْيَصْعَدُوا فِي أَبْوَابِ السَّمَاءِ وَطُرُقِهَا ، فَإِنَّ مَنْ كَانَ لَهُ مُلْكُ شَيْءٍ لَمْ يَتَعَذَّرْ عَلَيْهِ الْإِشْرَافُ عَلَيْهِ ، وَتَفَقُّدُهُ وَتَعَهُّدُهُ . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الْأَسْبَابِ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : عُنِيَ بِهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ فَلْيَرْتَقُوا فِي الأَسْبَابِ قَالَ : طُرُقُ السَّمَاءِ وَأَبْوَابُهَا . حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فَلْيَرْتَقُوا فِي الأَسْبَابِ يَقُولُ : فِي أَبْوَابِ السَّمَاءِ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ قَوْلَهُ ( فِي الْأَسْبَابِ ) قَالَ : أَسْبَابُ السَّمَاوَاتِ .
حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ فَلْيَرْتَقُوا فِي الأَسْبَابِ قَالَ : طُرُقُ السَّمَاوَاتِ . حُدِّثْتُ عَنِ الْمُحَارِبِيِّ عَنْ جُوَيْبِرٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَقُولُ : إِنْ كَانَ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الأَسْبَابِ يَقُولُ : فَلْيَرْتَقُوا إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ . حَدَّثَنِي عَلِيٌّ قَالَ : ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ فَلْيَرْتَقُوا فِي الأَسْبَابِ يَقُولُ : فِي السَّمَاءِ .
وَذُكِرَ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ فِي ذَلِكَ مَا حُدِّثْتُ عَنِ الْمُسَيَّبِ بْنِ شَرِيكٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيِّ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ : الْأَسْبَابُ أَدَقُّ مِنَ الشَّعْرِ ، وَأَشَدُّ مِنَ الْحَدِيدِ ، وَهُوَ بِكُلِّ مَكَانٍ ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُرَى . وَأَصْلُ السَّبَبِ عِنْدَ الْعَرَبِ : كُلُّ مَا تُسُبِّبَ بِهِ إِلَى الْوُصُولِ إِلَى الْمَطْلُوبِ مِنْ حَبْلٍ أَوْ وَسِيلَةٍ ، أَوْ رَحِمٍ ، أَوْ قَرَابَةٍ أَوْ طَرِيقٍ ، أَوْ مَحَجَّةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ . وَقَوْلُهُ ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأَحْزَابِ ﴾ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : هُمْ ( جُنْدٌ ) يَعْنِي الَّذِينَ فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ هُنَالِكَ ، يَعْنِي : بِبَدْرٍ مَهْزُومٌ .
وَقَوْلُهُ ( هُنَالِكَ ) مِنْ صِلَةِ مَهْزُومٍ وَقَوْلُهُ ( مِنَ الْأَحْزَابِ ) يَعْنِي مِنْ أَحْزَابِ إِبْلِيسَ وَأَتْبَاعِهِ الَّذِينَ مَضَوْا قَبْلَهُمْ ، فَأَهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ . وَ مِنْ مِنْ قَوْلِهِ ( مِنَ الْأَحْزَابِ ) مِنْ صِلَةِ قَوْلِهِ جُنْدٌ ، وَمَعْنَى الْكَلَامِ : هُمْ جُنْدٌ مِنَ الْأَحْزَابِ مَهْزُومٌ هُنَالِكَ ، وَمَا فِي قَوْلِهِ جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ صِلَةٌ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأَحْزَابِ ﴾ قَالَ : قُرَيْشٌ مِنَ الْأَحْزَابِ قَالَ : الْقُرُونُ الْمَاضِيَةُ . حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأَحْزَابِ ﴾ قَالَ : وَعَدَهُ اللَّهُ وَهُوَ بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ أَنَّهُ سَيَهْزِمُ جُنْدًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، فَجَاءَ تَأْوِيلُهَا يَوْمَ بَدْرٍ . وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ يَتَأَوَّلُ ذَلِكَ جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَغْلُوبٌ عَنْ أَنْ يَصْعَدَ إِلَى السَّمَاءِ .