الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ "
) ﴿وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ أُولَئِكَ الأَحْزَابُ ﴾( 13 ) ﴿إِنْ كُلٌّ إِلا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ ﴾( 14 ) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : كَذَّبَتْ قَبْلَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ مَنْ قُرَيْشٍ ، الْقَائِلِينَ : أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا ، رُسُلَهَا - قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي السَّبَبِ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ قِيلَ لِفِرْعَوْنَ ذُو الْأَوْتَادِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : قِيلَ ذَلِكَ لَهُ لِأَنَّهُ كَانَتْ لَهُ مَلَاعِبُ مِنْ أَوْتَادٍ ، يُلْعَبُ لَهُ عَلَيْهَا . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حُدِّثْتُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْهَيْثَمِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَفِرْعَوْنُ ذُو الأَوْتَادِ قَالَ : كَانَتْ مَلَاعِبَ يُلْعَبُ لَهُ تَحْتَهَا .
حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ وَفِرْعَوْنُ ذُو الأَوْتَادِ قَالَ : كَانَ لَهُ أَوْتَادٌ وَأَرْسَانٌ ، وَمَلَاعِبُ يُلْعَبُ لَهُ عَلَيْهَا . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ قِيلَ ذَلِكَ لَهُ كَذَلِكَ لِتَعْذِيبِهِ النَّاسَ بِالْأَوْتَادِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، قَوْلُهُ ( ذُو الْأَوْتَادِ ) قَالَ : كَانَ يُعَذِّبُ النَّاسَ بِالْأَوْتَادِ ، يُعَذِّبُهُمْ بِأَرْبَعَةِ أَوْتَادٍ ، ثُمَّ يَرْفَعُ صَخْرَةً تُمَدُّ بِالْحِبَالِ ، ثُمَّ تُلْقَى عَلَيْهِ فَتَشْدَخُهُ .
حُدِّثْتُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْهَيْثَمِ عَنِ ابْنِ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ : كَانَ يُعَذِّبُ النَّاسَ بِالْأَوْتَادِ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : ذُو الْبُنْيَانِ ، قَالُوا : وَالْبُنْيَانُ هُوَ الْأَوْتَادُ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حُدِّثْتُ عَنِ الْمُحَارِبِيِّ عَنْ جُوَيْبِرٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ذُو الأَوْتَادِ قَالَ : ذُو الْبُنْيَانِ .
وَأَشْبَهُ الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ : عُنِيَ بِذَلِكَ الْأَوْتَادُ ، إِمَّا لِتَعْذِيبِ النَّاسِ ، وَإِمَّا لِلَعِبٍ ، كَانَ يُلْعَبُ لَهُ بِهَا ، وَذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ مَعْنَى الْأَوْتَادِ ، وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَخْبَارَ كُلِّ هَؤُلَاءِ فِيمَا مَضَى قَبْلُ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا . وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ يَعْنِي : وَأَصْحَابُ الْغَيْضَةِ . وَكَانَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ فِيمَا حُدِّثْتُ عَنْ مَعْمَرِ بْنِ الْمُثَنَّى عَنْ أَبِي عَمْرٍو يَقُولُ : الْأَيْكَةُ الْحَرَجَةُ مِنَ النَّبْعِ وَالسِّدْرِ ، وَهُوَ الْمُلْتَفُّ مِنْهُ ، قَالَ الشَّاعِرُ : أَفَمِنْ بُكَاءِ حَمَامَةٍ فِي أَيْكَةٍ يَرْفَضُّ دَمْعُكَ فَوْقَ ظَهْرِ الْمَحْمِلِ يَعْنِي : مَحْمِلَ السَّيْفِ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ قَالَ : كَانُوا أَصْحَابَ شَجَرٍ قَالَ : وَكَانَ عَامَّةَ شَجَرِهِمُ الدَّوْمُ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ قَوْلَهُ وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ قَالَ : أَصْحَابُ الْغَيْضَةِ .
وَقَوْلُهُ ( أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ ) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : هَؤُلَاءِ الْجَمَاعَاتُ الْمُجْتَمِعَةُ ، وَالْأَحْزَابُ الْمُتَحَزِّبَةُ عَلَى مَعَاصِي اللَّهِ وَالْكُفْرِ بِهِ ، الَّذِينَ مِنْهُمْ يَا مُحَمَّدُ مُشْرِكُو قَوْمِكَ ، وَهُمْ مُسْلُوكٌ بِهِمْ سَبِيلُهُمْ . إِنْ كُلٌّ إِلا كَذَّبَ الرُّسُلَ يَقُولُ : مَا كَلُّ هَؤُلَاءِ الْأُمَمِ إِلَّا كَذَّبَ رُسُلَ اللَّهِ ، وَهِيَ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ كَمَا ذُكِرَ لِي : إِنْ كُلٌّ لَمَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ يَقُولُ : فَوَجَبَ عَلَيْهِمْ عِقَابُ اللَّهِ إِيَّاهُمْ . كَمَا حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿إِنْ كُلٌّ إِلا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ ﴾ قَالَ : هَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ قَدْ كَذَّبُوا الرُّسُلَ ، فَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْعَذَابُ .