حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تفسير الطبري

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ "

) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : مَثَّلَ اللَّهُ مَثَلًا لِلْكَافِرِ بِاللَّهِ الَّذِي يَعْبُدُ آلِهَةً شَتَّى ، وَيُطِيعُ جَمَاعَةً مِنَ الشَّيَاطِينِ ، وَالْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يَعْبُدُ إِلَّا اللَّهَ الْوَاحِدَ ، يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِهَذَا الْكَافِرِ رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ . يَقُولُ : هُوَ بَيْنَ جَمَاعَةٍ مَالِكِينَ مُتَشَاكِسِينَ ، يَعْنِي مُخْتَلِفِينَ مُتَنَازِعِينَ ، سَيِّئَةٌ أَخْلَاقُهُمْ ، مِنْ قَوْلِهِمْ : رَجُلٌ شَكِسٌ : إِذَا كَانَ سَيِّئَ الْخُلُقِ ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَسْتَخْدِمُهُ بِقَدَرِ نَصِيبِهِ وَمِلْكِهِ فِيهِ ، وَرَجُلًا مُسَلَّمًا لِرَجُلٍ ، يَقُولُ : وَرَجُلًا خَلُوصًا لِرَجُلٍ يَعْنِي الْمُؤْمِنَ الْمُوَحِّدَ الَّذِي أَخْلَصَ عِبَادَتَهُ لِلَّهِ ، لَا يَعْبُدُ غَيْرَهُ وَلَا يَدَيْنِ لِشَيْءٍ سِوَاهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ . وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ : ( وَرَجُلًا سَلَمًا ) فَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ قُرَّاءِ أَهْلِ مَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ : وَرَجُلًا سَالِمًا وَتَأَوَّلُوهُ بِمَعْنَى : رَجُلًا خَالِصًا لِرَجُلٍ .

وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ : ثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : ثَنَا حَجَّاجٌ عَنْ هَارُونَ عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَرَأَهَا : سَالِمًا لِرَجُلٍ يَعْنِي بِالْأَلِفِ ، وَقَالَ : لَيْسَ فِيهِ لِأَحَدٍ شَيْءٌ . وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْكُوفَةِ : وَرَجُلا سَلَمًا لِرَجُلٍ بِمَعْنَى : صُلْحًا .

وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ - قَدْ قَرَأَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عُلَمَاءُ مِنَ الْقُرَّاءِ - مُتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ ، وَذَلِكَ أَنَّ السَّلَمَ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : سَلِمَ فُلَانٌ لِلَّهِ سَلَمًا بِمَعْنَى : خَلَصَ لَهُ خُلُوصًا ، تَقُولُ الْعَرَبُ : رَبِحَ فُلَانٌ فِي تِجَارَتِهِ رِبْحًا وَرَبَحًا وَسَلِمَ سِلْمًا وَسَلَمًا وَسَلَامَةً ، وَأَنَّ السَّالِمَ مِنْ صِفَةِ الرَّجُلِ ، وَسَلْمٌ مَصْدَرٌ مِنْ ذَلِكَ . وَأَمَّا الَّذِي تَوَهَّمَهُ مَنْ رَغِبَ مِنْ قِرَاءَةِ ذَلِكَ سَلْمًا مِنْ أَنَّ مَعْنَاهُ صُلْحًا ، فَلَا وَجْهَ لِلصُّلْحِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، لِأَنَّ الَّذِي تَقَدَّمَ مِنْ صِفَةِ الْآخَرِ ، إِنَّمَا تَقَدَّمَ بِالْخَبَرِ عَنِ اشْتِرَاكِ جَمَاعَةٍ فِيهِ دُونَ الْخَبَرِ عَنْ حَرْبِهِ بِشَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ ، فَالْوَاجِبُ أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ عَنْ مُخَالِفِهِ بِخُلُوصِهِ لِوَاحِدٍ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَلَا مَوْضِعَ لِلْخَبَرِ عَنِ الْحَرْبِ وَالصُّلْحِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَالِمًا لِرَجُلٍ قَالَ : هَذَا مَثَلُ إِلَهِ الْبَاطِلِ وَإِلَهِ الْحَقِّ . حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ قَالَ : هَذَا الْمُشْرِكُ تَتَنَازَعُهُ الشَّيَاطِينُ ، لَا يُقِرُّ بِهِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ وَرَجُلًا سَالِمًا لِرَجُلٍ قَالَ : هُوَ الْمُؤْمِنُ أَخْلَصَ الدَّعْوَةَ وَالْعِبَادَةَ . حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : ثَنِي أَبِي قَالَ : ثَنِي عَمِّي قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ إِلَى قَوْلِهِ : بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ قَالَ : الشُّرَكَاءُ الْمُتَشَاكِسُونَ : الرَّجُلُ الَّذِي يَعْبُدُ آلِهَةً شَتَّى كُلُّ قَوْمٍ يَعْبُدُونَ إِلَهًا يَرْضَوْنَهُ وَيَكْفُرُونَ بِمَا سِوَاهُ مِنَ الْآلِهَةِ ، فَضَرَبَ اللَّهُ هَذَا الْمَثَلَ لَهُمْ ، وَضَرَبَ لِنَفْسِهِ مَثَلًا يَقُولُ : رَجُلًا سَلِمَ لِرَجُلٍ يَقُولُ : يَعْبُدُونَ إِلَهًا وَاحِدًا لَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ .

حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ : ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ فِي قَوْلِهِ : ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ قَالَ : مَثَّلَ لِأَوْثَانِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَ . حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلا سَلَمًا لِرَجُلٍ قَالَ : أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ الَّذِي فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ كُلُّهُمْ سَيِّئُ الْخُلُقِ ، لَيْسَ مِنْهُمْ وَاحِدٌ إِلَّا تَلْقَاهُ آخِذًا بِطَرَفٍ مِنْ مَالٍ لِاسْتِخْدَامِهِ أَسْوَأَهُمْ ، وَالَّذِي لَا يَمْلِكُهُ إِلَّا وَاحِدٌ ، فَإِنَّمَا هَذَا مَثَلٌ ضَرْبَهُ اللَّهُ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ الْآلِهَةَ ، وَجَعَلُوا لَهَا فِي أَعْنَاقِهِمْ حُقُوقًا ، فَضَرَبَهُ اللَّهُ مَثَلًا لَهُمْ ، وَلِلَّذِي يَعْبُدُهُ وَحْدَهُ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ وَفِي قَوْلِهِ : وَرَجُلًا سَالِمًا لِرَجُلٍ يَقُولُ : لَيْسَ مَعَهُ شِرْكٌ . وَقَوْلُهُ : هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلا يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : هَلْ يَسْتَوِي مِثْلُ هَذَا الَّذِي يَخْدِمُ جَمَاعَةَ شُرَكَاءَ سَيِّئَةٍ أَخْلَاقُهُمْ - مُخْتَلِفَةٍ فِيهِ لِخِدْمَتِهِ مَعَ مُنَازَعَتِهِ شُرَكَاءَهُ فِيهِ - وَالَّذِي يَخْدِمُ وَاحِدًا لَا يُنَازِعُهُ فِيهِ مُنَازِعٌ إِذَا أَطَاعَهُ عَرَفَ لَهُ مَوْضِعَ طَاعَتِهِ وَأَكْرَمَهُ ، وَإِذَا أَخْطَأَ صَفَحَ لَهُ عَنْ خَطَئِهِ ، يَقُولُ : فَأَيُّ هَذَيْنِ أَحْسَنُ حَالًا وَأَرْوَحُ جِسْمًا وَأَقَلُّ تَعَبًا وَنَصَبًا ؟ كَمَا حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : ثَنِي أَبِي قَالَ : ثَنِي عَمِّي قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ يَقُولُ : مَنِ اخْتُلِفَ فِيهِ خَيْرٌ ، أَمْ مَنْ لَمْ يُخْتَلَفْ فِيهِ ؟ .

وَقَوْلُهُ : ( الْحَمْدُ لِلَّهِ ) يَقُولُ : الشُّكْرُ الْكَامِلُ ، وَالْحَمْدُ التَّامُّ لِلَّهِ وَحْدَهُ دُونَ كُلِّ مَعْبُودٍ سِوَاهُ . وَقَوْلُهُ : بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ يَقُولُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : وَمَا يَسْتَوِي هَذَا الْمُشْتَرَكُ فِيهِ ، وَالَّذِي هُوَ مُنْفَرِدٌ مِلْكُهُ لِوَاحِدٍ ، بَلْ أَكْثَرُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُمَا لَا يَسْتَوِيَانِ ، فَهُمْ بِجَهْلِهِمْ بِذَلِكَ يَعْبُدُونَ آلِهَةً شَتَّى مِنْ دُونِ اللَّهِ . وَقِيلَ : ( هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ) وَلَمْ يَقُلْ : مَثَلَيْنِ لِأَنَّهُمَا كِلَاهُمَا ضُرِبَا مَثَلًا وَاحِدًا ، فَجَرَى الْمَثَلُ بِالتَّوْحِيدِ ، كَمَا قَالَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً إِذْ كَانَ مَعْنَاهُمَا وَاحِدًا فِي الْآيَةِ .

وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

القراءات1 آية
سورة الزمر آية 291 قراءة

﴿ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ

  • البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة من طريقي الشاطبية والدرة

    حم . لأبي جعفر ، قُرْآنًا ، بَشِيرًا وَنَذِيرًا ، إِلَيْهِ ، إِلَهٌ وَاحِدٌ ، وَاسْتَغْفِرُوهُ ، كَافِرُونَ ، أَجْرٌ غَيْرُ ، سبق مثله مرارا . مَمْنُونٍ آخر الربع . الممال جَاءَنِيَ و جَاءَ و جَاءَتْهُمْ لابن ذكوان وخلف وحمزة ، يُتَوَفَّى و مُسَمًّى لدى الوقف و قُضِيَ و مَثْوَى لدى الوقف و أَغْنَى و يُوحَى بالإمالة للأصحاب والتقليل لورش بخلف عنه . أَنَّى ، بالإمالة للأصحاب والتقليل لدوري البصري وورش بخلف عنه . الْكَافِرِينَ بالإمالة للبصري والدوري ورويس وبالتقليل لورش . النَّارِ مثله ما عدا رويسا فبالفتح . وَحَاقَ لحمزة . حم بإمالة حا لابن ذكوان وشعبة والأخوين وخلف وبتقليلها لورش والبصري ، آذَانِنَا لدوري الكسائي . المدغم الكبير خَلَقَكُمْ ، يَقُولُ لَهُ ، قِيلَ لَهُمْ : جَعَلَ لَكُمُ .

موقع حَـدِيث