الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ "
) ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ﴾( 31 ) ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ ﴾( 32 ) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّكَ يَا مُحَمَّدُ مَيِّتٌ عَنْ قَلِيلٍ ، وَإِنَّ هَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبِيكَ مِنْ قَوْمِكَ وَالْمُؤْمِنِينَ مِنْهُمْ مَيِّتُونَ ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ﴾ يَقُولُ : ثُمَّ إِنَّ جَمِيعَكُمُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ فَيَأْخُذُ لِلْمَظْلُومِ مِنْكُمْ مِنَ الظَّالِمِ ، وَيَفْصِلُ بَيْنَ جَمِيعِكِمْ بِالْحَقِّ . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : عَنَى بِهِ اخْتِصَامَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ ، وَاخْتِصَامَ الْمَظْلُومِ وَالظَّالِمِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا عَلِيٌّ قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ﴾ يَقُولُ : يُخَاصِمُ الصَّادِقُ الْكَاذِبَ ، وَالْمَظْلُومُ الظَّالِمَ ، وَالْمُهْتَدِي الضَّالَّ ، وَالضَّعِيفُ الْمُسْتَكْبِرَ . حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ﴾ قَالَ : أَهْلُ الْإِسْلَامِ وَأَهْلُ الْكُفْرِ . حَدَّثَنِي ابْنُ الْبَرْقِيِّ قَالَ : ثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ : ثَنَا ابْنُ الدَّرَاوَرْدِيِّ قَالَ : ثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ٣٠ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ﴾ قَالَ الزُّبَيْرُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيُنْكَرُ عَلَيْنَا مَا كَانَ بَيْنَنَا فِي الدُّنْيَا مَعَ خَوَاصِّ الذُّنُوبِ ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ : - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَعَمْ حَتَّى يُؤَدَّى إِلَى كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقُّهُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عُنِيَ بِذَلِكَ اخْتِصَامُ أَهْلِ الْإِسْلَامِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا يَعْقُوبُ ، عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ سَعِيدٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : نَزَلَتْ عَلَيْنَا هَذِهِ الْآيَةُ وَمَا نَدْرِي مَا تَفْسِيرُهَا حَتَّى وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ ، فَقُلْنَا : هَذَا الَّذِي وَعَدَنَا رَبُّنَا أَنْ نَخْتَصِمَ فِيهِ ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ﴾. حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ قَالَ : ثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ قَالَ : ثَنَا ابْنُ عَوْنٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ : ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ﴾ثُمَّ إِنَّكُمْ .
الْآيَةَ قَالُوا : مَا خُصُومَتُنَا بَيْنَنَا وَنَحْنُ إِخْوَانٌ قَالَ : فَلَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ قَالُوا : هَذِهِ خُصُومَتُنَا بَيْنَنَا . حُدِّثْتُ عَنِ ابْنِ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ فِي قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ﴾ قَالَ : هُمْ أَهْلُ الْقِبْلَةِ . وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَالَ : عُنِيَ بِذَلِكَ : إِنَّكَ يَا مُحَمَّدُ سَتَمُوتُ ، وَإِنَّكُمْ - أَيُّهَا النَّاسُ - سَتَمُوتُونَ ، ثُمَّ إِنَّ جَمِيعَكُمْ - أَيُّهَا النَّاسُ - تَخْتَصِمُونَ عِنْدَ رَبِّكُمْ ، مُؤْمِنُكُمْ وَكَافِرُكُمْ ، وَمُحِقُّوكُمْ وَمُبْطِلُوكُمْ ، وَظَالِمُوكُمْ وَمَظْلُومُوكُمْ ، حَتَّى يُؤْخَذَ لِكُلٍّ مِنْكُمْ - مِمَّنْ لِصَاحِبِهِ قِبَلَهُ حَقٌّ - حَقُّهُ .
وَإِنَّمَا قُلْنَا هَذَا الْقَوْلُ أَوْلَى بِالصَّوَابِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَمَّ بِقَوْلِهِ : ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ﴾ خِطَابَ جَمِيعِ عِبَادِهِ ، فَلَمْ يُخَصِّصْ بِذَلِكَ مِنْهُمْ بَعْضًا دُونَ بَعْضٍ ، فَذَلِكَ عَلَى عُمُومِهِ عَلَى مَا عَمَّهُ اللَّهُ بِهِ ، وَقَدْ تَنْزِلُ الْآيَةُ فِي مَعْنًى ، ثُمَّ يَكُونُ دَاخِلًا فِي حُكْمِهَا كُلُّ مَا كَانَ فِي مَعْنَى مَا نَزَلَتْ بِهِ . وَقَوْلُهُ : فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : فَمَنْ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ أَعْظَمُ فِرْيَةً مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ ، فَادَّعَى أَنَّ لَهُ وَلَدًا وَصَاحِبَةً ، أَوْ أَنَّهُ حَرَّمَ مَا لَمْ يُحَرِّمْهُ مِنَ الْمَطَاعِمِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ يَقُولُ : وَكَذَّبَ بِكِتَابِ اللَّهِ إِذْ أَنْزَلَهُ عَلَى مُحَمَّدٍ ، وَابْتَعَثَهُ اللَّهُ بِهِ رَسُولًا وَأَنْكَرَ قَوْلَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ : أَيْ بِالْقُرْآنِ . وَقَوْلُهُ : أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ يَقُولُ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - : أَلَيْسَ فِي النَّارِ مَأْوًى وَمَسْكَنٌ لِمَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ ، وَامْتَنَعَ مِنْ تَصْدِيقِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاتِّبَاعِهِ عَلَى مَا يَدْعُوهُ إِلَيْهِ مِمَّا أَتَاهُ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مِنَ التَّوْحِيدِ ، وَحُكْمِ الْقُرْآنِ ؟