الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا . . . "
) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَمِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ الْأُلُوهَةَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ خَالِصَةٌ - دُونَ كُلِّ مَا سِوَاهُ - أَنَّهُ يُمِيتُ وَيُحْيِي ، وَيَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ شَيْءٌ سِوَاهُ ، فَجَعَلَ ذَلِكَ خَبَرًا نَبَّهَهُمْ بِهِ عَلَى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ ، فَقَالَ : اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا فَيَقْبِضُهَا عِنْدَ فَنَاءِ أَجَلِهَا ، وَانْقِضَاءِ مُدَّةِ حَيَاتِهَا ، وَيَتَوَفَّى - أَيْضًا - الَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا ، كَمَا الَّتِي مَاتَتْ عِنْدَ مَمَاتِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ ذُكِرَ أَنَّ أَرْوَاحَ الْأَحْيَاءِ وَالْأَمْوَاتِ تَلْتَقِي فِي الْمَنَامِ ، فَيَتَعَارَفُ مَا شَاءَ اللَّهُ مِنْهَا ، فَإِذَا أَرَادَ جَمِيعُهَا الرُّجُوعَ إِلَى أَجْسَادِهَا أَمْسَكَ اللَّهُ أَرْوَاحَ الْأَمْوَاتِ عِنْدَهُ وَحَبَسَهَا ، وَأَرْسَلَ أَرْوَاحَ الْأَحْيَاءِ حَتَّى تَرْجِعَ إِلَى أَجْسَادِهَا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَذَلِكَ إِلَى انْقِضَاءِ مُدَّةِ حَيَّاتِهَا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا يَعْقُوبُ ، عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ : اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا .
الْآيَةَ . قَالَ : يَجْمَعُ بَيْنَ أَرْوَاحِ الْأَحْيَاءِ وَأَرْوَاحِ الْأَمْوَاتِ ، فَيَتَعَارَفُ مِنْهَا مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَتَعَارَفَ ، فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ ، وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجْسَادِهَا . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ عَنِ السُّدِّيِّ فِي قَوْلِهِ : اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا قَالَ : تُقْبَضُ الْأَرْوَاحُ عِنْدَ نِيَامِ النَّائِمِ ، فَتُقْبَضُ رُوحُهُ فِي مَنَامِهِ ، فَتَلْقَى الْأَرْوَاحُ بَعْضُهَا بَعْضًا : أَرْوَاحُ الْمَوْتَى وَأَرْوَاحُ النِّيَامِ ، فَتَلْتَقِي فَتَسَاءَلُ .
قَالَ : فَيُخَلَّى عَنْ أَرْوَاحِ الْأَحْيَاءِ ، فَتَرْجِعُ إِلَى أَجْسَادِهَا ، وَتُرِيدُ الْأُخْرَى أَنْ تَرْجِعَ ، فَيَحْبِسُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ ، وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى قَالَ : إِلَى بَقِيَّةِ آجَالِهَا . حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا قَالَ : فَالنَّوْمُ وَفَاةٌ فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى الَّتِي لَمْ يَقْبِضْهَا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى . وَقَوْلُهُ : إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : إِنَّ فِي قَبْضِ اللَّهِ نَفْسَ النَّائِمِ وَالْمَيِّتِ وَإِرْسَالِهِ بَعْدُ نَفْسَ هَذَا تَرْجِعُ إِلَى جِسْمِهَا ، وَحَبْسِهِ لِغَيْرِهَا عَنْ جِسْمِهَا لَعِبْرَةً وَعِظَةً لِمَنْ تَفَكَّرَ وَتَدَبَّرَ ، وَبَيَانًا لَهُ أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي مَنْ يَشَاءُ مِنْ خَلْقِهِ إِذَا شَاءَ ، وَيُمِيتُ مَنْ شَاءَ إِذَا شَاءَ .