الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ . . . "
) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : الَّذِينَ يَحْمِلُونَ عَرْشَ اللَّهِ مِنْ مَلَائِكَتِهِ ، وَمَنْ حَوْلَ عَرْشِهِ مِمَّنْ يَحُفُّ بِهِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ يَقُولُ : يُصَلُّونَ لِرَبِّهِمْ بِحَمْدِهِ وَشُكْرِهِ ( وَيُؤْمِنُونَ بِهِ ) يَقُولُ : وَيُقِرُّونَ بِاللَّهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ لَهُمْ سِوَاهُ ، وَيَشْهَدُونَ بِذَلِكَ ، لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَقُولُ : وَيَسْأَلُونَ رَبَّهُمْ أَنْ يَغْفِرَ لِلَّذِينِ أَقَرُّوا بِمِثْلِ إِقْرَارِهِمْ مِنْ تَوْحِيدِ اللَّهِ - وَالْبَرَاءَةِ مِنْ كُلِّ مَعْبُودٍ سِوَاهُ - ذُنُوبَهُمْ ، فَيَعْفُوَهَا عَنْهُمْ . كَمَا حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا لِأَهْلِ لَا الْهَ إِلَّا اللَّهُ . وَقَوْلُهُ : رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا وَفِي هَذَا الْكَلَامِ مَحْذُوفٌ .
وَهُوَ يَقُولُونَ : وَمَعْنَى الْكَلَامِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينِ آمَنُوا يَقُولُونَ : يَا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا . وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا : وَسِعَتْ رَحْمَتُكَ وَعِلْمُكَ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ خَلْقِكَ ، فَعَلِمْتَ كُلَّ شَيْءٍ ، فَلَمْ يَخْفَ عَلَيْكَ شَيْءٌ ، وَرَحِمْتَ خَلْقَكَ ، وَوَسِعْتَهُمْ بِرَحْمَتِكَ . وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي وَجْهِ نَصْبِ الرَّحْمَةِ وَالْعِلْمِ ، فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ : انْتِصَابُ ذَلِكَ كَانْتِصَابِ : لَكَ مِثْلُهُ عَبْدًا ؛ لِأَنَّكَ قَدْ جَعَلْتَ وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ - وَهُوَ مَفْعُولٌ لَهُ ، وَالْفَاعِلُ التَّاءُ ، وَجَاءَ بِالرَّحْمَةِ وَالْعِلْمِ - تَفْسِيرًا ، وَقَدْ شَغَلْتَ عَنْهُمَا الْفِعْلَ كَمَا شَغَلْتَ الْمِثْلَ بِالْهَاءِ ، فَلِذَلِكَ نَصَبْتَهُ تَشْبِيهًا بِالْمَفْعُولِ بَعْدَ الْفَاعِلِ .
وَقَالَ غَيْرُهُ : هُوَ مِنَ الْمَنْقُولِ ، وَهُوَ مُفَسِّرٌ ، وَسِعَتْ رَحْمَتُهُ وَعِلْمُهُ ، وَوَسِعَ هُوَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً ، كَمَا تَقُولُ : طَابَتْ بِهِ نَفْسِي ، طِبْتُ بِهِ نَفْسًا . قَالَ : أَمَا لَكَ مِثْلُهُ عَبْدًا ، فَإِنَّ الْمَقَادِيرَ لَا تَكُونُ إِلَّا مَعْلُومَةً مِثْلَ : عِنْدِي رَطْلٌ زَيْتًا ، وَالْمِثْلُ غَيْرُ مَعْلُومٍ ، وَلَكِنَّ لَفْظَهُ لَفْظُ الْمَعْرِفَةِ وَالْعَبْدُ نَكِرَةٌ ، فَلِذَلِكَ نُصِبَ الْعَبْدُ ، وَلَهُ أَنْ يُرْفَعَ ، وَاسْتَشْهَدَ لِقِيلِهِ ذَلِكَ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ : مَا فِي مَعَدٍّ وَالْقَبَائِلِ كُلِّهَا قَحْطَانُ مِثْلُكَ وَاحِدٌ مَعْدُودُ وَقَالَ : رَدَّ الْوَاحِدَ عَلَى مِثْلِ لِأَنَّهُ نَكِرَةٌ . قَالَ : وَلَوْ قُلْتَ : مَا مِثْلُكَ رَجُلٌ ، وَمِثْلُكَ رَجُلٌ ، وَمِثْلُكَ رَجُلًا جَازَ ؛ لِأَنَّ مِثْلَ يَكُونُ نَكِرَةً ، وَإِنْ كَانَ لَفْظُهَا مَعْرِفَةً .
وَقَوْلُهُ : فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ يَقُولُ : فَاصْفَحْ عَنْ جُرْمِ مَنْ تَابَ مِنَ الشِّرْكِ بِكَ مِنْ عِبَادِكَ ، فَرَجَعَ إِلَى تَوْحِيدِكَ ، وَاتَّبَعَ أَمْرَكَ وَنَهْيَكَ . كَمَا حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا مِنَ الشِّرْكِ . وَقَوْلُهُ : وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ يَقُولُ : وَسَلَكُوا الطَّرِيقَ الَّذِي أَمَرْتَهُمْ أَنْ يَسْلُكُوهُ ، وَلَزِمُوا الْمِنْهَاجَ الَّذِي أَمَرْتَهُمْ بِلُزُومِهِ ، وَذَلِكَ الدُّخُولُ فِي الْإِسْلَامِ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ : أَيْ طَاعَتَكَ . وَقَوْلُهُ : وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ يَقُولُ : وَاصْرِفْ عَنِ الَّذِينَ تَابُوا مِنَ الشِّرْكِ ، وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ عَذَابَ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .