الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ . . . "
) ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ﴾( 16 ) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : هُوَ رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ، وَرُفِعَ قَوْلُهُ : رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ عَلَى الِابْتِدَاءِ . وَلَوْ جَاءَ نَصْبًا عَلَى الرَّدِّ عَلَى قَوْلِهِ : فَادْعُوا اللَّهَ ، كَانَ صَوَابًا . ذُو الْعَرْشِ يَقُولُ : ذُو السَّرِيرِ الْمُحِيطِ بِمَا دُونَهُ .
وَقَوْلُهُ : يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ يَقُولُ : يُنَزِّلُ الْوَحْيَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ . وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الرُّوحِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : عَنَى بِهِ الْوَحْيَ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ قَالَ : الْوَحْيُ مِنْ أَمْرِهِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : عَنَى بِهِ الْقُرْآنَ وَالْكِتَابَ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ إِدْرِيسَ الْأَصَمُّ قَالَ : ثَنَا عِبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُحَارِبِيِّ ، عَنْ جُوَيْبِرٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ فِي قَوْلِهِ : يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ قَالَ : يَعْنِي بِالرُّوحِ : الْكِتَابَ يُنَزِّلُهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ . حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ، وَقَرَأَ : وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا قَالَ : هَذَا الْقُرْآنُ هُوَ الرُّوحُ ، أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَى جِبْرِيلَ ، وَجِبْرِيلُ رُوحٌ نَزَلَ بِهِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَرَأَ : ﴿نَـزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ ﴾ قَالَ .
فَالْكُتُبُ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ عَلَى أَنْبِيَائِهِ هِيَ الرُّوحُ ؛ لِيُنْذِرَ بِهَا مَا قَالَ اللَّهُ يَوْمَ التَّلَاقِ ، يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا قَالَ : الرُّوحُ : الْقُرْآنُ ، كَانَ أَبِي يَقُولُهُ . قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : يَقُومُونَ لَهُ صَفًّا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ حِينَ يَنْزِلُ جَلَّ جَلَالُهُ . وَقَالَ آخَرُونَ : عَنَى بِهِ النُّبُوَّةَ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ : ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ فِي قَوْلِ اللَّهِ : يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ قَالَ : النُّبُوَّةَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ . وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ مُتَقَارِبَاتُ الْمَعَانِي ، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ أَلْفَاظُ أَصْحَابِهَا بِهَا . وَقَوْلُهُ : لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ يَقُولُ : لِيُنْذِرَ مَنْ يُلْقِي الرُّوحَ عَلَيْهِ مِنْ عِبَادِهِ - مَنْ أَمَرَ اللَّهُ بِإِنْذَارِهِ مِنْ خَلْقِهِ - عَذَابَ يَوْمٍ تَلْتَقِي فِيهِ أَهْلُ السَّمَاءِ وَأَهْلُ الْأَرْضِ ، وَهُوَ يَوْمُ التَّلَاقِ ، وَذَلِكَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي عَلِيٌّ قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : يَوْمَ التَّلاقِ مِنْ أَسْمَاءِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، عَظَّمَهُ اللَّهُ ، وَحَذَّرَهُ عِبَادَهُ . حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : يَوْمَ التَّلاقِ : يَوْمَ تَلْتَقِي فِيهِ أَهْلُ السَّمَاءِ وَأَهْلُ الْأَرْضِ ، وَالْخَالِقُ وَالْخَلْقُ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ : ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ يَوْمَ التَّلاقِ تَلَقِّي أَهْلِ السَّمَاءِ وَأَهْلِ الْأَرْضِ . حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ يَوْمَ التَّلاقِ قَالَ : يَوْمَ الْقِيَامَةِ . قَالَ : يَوْمُ تَتَلَاقَى الْعِبَادُ .
وَقَوْلُهُ : يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ يَعْنِي بِقَوْلِهِ يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ يَعْنِي الْمُنْذَرِينَ الَّذِينَ أَرْسَلَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ رُسُلَهُ لِيُنْذِرُوهُمْ . وَهُمْ ظَاهِرُونَ - يَعْنِي - لِلنَّاظِرِينَ لَا يَحُولُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُمْ جَبَلٌ وَلَا شَجَرٌ ، وَلَا يَسْتُرُ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ سَاتِرٌ ، وَلَكِنَّهُمْ بِقَاعٍ صَفْصَفٍ لَا أَمْتَ فِيهِ وَلَا عِوَجَ . وَ هُمْ مِنْ قَوْلِهِ : ( يَوْمَ هُمْ ) فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِمَا بَعْدَهُ ، كَقَوْلِ الْقَائِلِ : فَعَلْتُ ذَلِكَ يَوْمَ الْحَجَّاجِ أَمِيرٌ .
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي الْعِلَّةِ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا لَمْ تُخْفَضْ هُمْ بِيَوْمٍ وَقَدْ أُضِيفَ إِلَيْهِ ؟ فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ : أَضَافَ يَوْمَ إِلَى هُمْ فِي الْمَعْنَى ، فَلِذَلِكَ لَا يُنَوَّنُ الْيَوْمُ ، كَمَا قَالَ : ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ ﴾ وَقَالَ : ﴿هَذَا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ ﴾ وَمَعْنَاهُ : هَذَا يَوْمُ فِتْنَتِهِمْ ، وَلَكِنْ لَمَّا ابْتَدَأَ بِالِاسْمِ ، وَبَنَى عَلَيْهِ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى جَرِّهِ ، وَكَانَتِ الْإِضَافَةُ فِي الْمَعْنَى إِلَى الْفِتْنَةِ ، وَهَذَا إِنَّمَا يَكُونُ إِذَا كَانَ الْيَوْمُ فِي مَعْنَى إِذْ ، وَإِلَّا فَهُوَ قَبِيحٌ ، أَلَا تَرَى أَنَّكَ تَقُولُ : لَيْتَكَ زَمَنَ زَيْدٍ أَمِيرٌ : أَيْ إِذْ زَيْدٌ أَمِيرٌ ، وَلَوْ قُلْتَ : أَلْقَاكَ زَمَنَ زَيْدٍ أَمِيرٌ لَمْ يَحْسُنْ . وَقَالَ غَيْرُهُ : مَعْنَى ذَلِكَ : أَنَّ الْأَوْقَاتَ جُعِلَتْ بِمَعْنَى إِذْ وَإِذَا ، فَلِذَلِكَ بَقِيَتْ عَلَى نَصْبِهَا فِي الرَّفْعِ وَالْخَفْضِ وَالنَّصْبِ ، فَقَالَ : وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ فَنَصَبُوا ، وَالْمَوْضِعُ خَفْضٌ ، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ جُعِلَ مَوْضِعَ الْأَدَاةِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يُعْرَبَ بِوُجُوهِ الْإِعْرَابِ ؛ لِأَنَّهُ ظَهَرَ ظُهُورَ الْأَسْمَاءِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يُعُودُ عَلَيْهِ الْعَائِدُ كَمَا يُعُودُ عَلَى الْأَسْمَاءِ ، فَإِنْ عَادَ الْعَائِدُ نُوِّنَ وَأُعْرِبَ وَلَمْ يُضَفْ ، فَقِيلَ : أَعْجَبَنِي يَوْمٌ فِيهِ تَقُولُ لَمَّا أَنْ خَرَجَ مِنْ مَعْنَى الْأَدَاةِ ، وَعَادَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ صَارَ اسْمًا صَحِيحًا . وَقَالَ : وَجَائِزٌ فَى إِذْ أَنْ تَقُولَ : أَتَيْتُكَ إِذْ تَقُومُ ، كَمَا تَقُولُ : أَتَيْتُكَ يَوْمَ يَجْلِسُ الْقَاضِي ، فَيَكُونُ زَمَنًا مَعْلُومًا ، فَأَمَّا أَتَيْتُكَ يَوْمَ تَقُومُ فَلَا مُؤْنَةَ فِيهِ ، وَهُوَ جَائِزٌ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ .
وَقَالَ : وَهَذِهِ الَّتِي تُسَمَّى إِضَافَةً غَيْرَ مَحْضَةٍ . وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ عِنْدِي فِي ذَلِكَ ، أَنَّ نَصْبَ يَوْمٍ وَسَائِرِ الْأَزْمِنَةِ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْضِعِ نَظِيرُ نَصْبِ الْأَدَوَاتِ لِوُقُوعِهَا مَوَاقِعَهَا ، وَإِذَا أُعْرِبَتْ بِوُجُوهِ الْإِعْرَابِ ؛ فَلِأَنَّهَا ظَهَرَتْ ظُهُورَ الْأَسْمَاءِ ، فَعُومِلَتْ مُعَامَلَتَهَا . وَقَوْلُهُ : لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ أَيْ وَلَا مِنْ أَعْمَالِهِمُ الَّتِي عَمِلُوهَا فِي الدُّنْيَا ( شَيْءٌ ) .
وَكَانَ قَتَادَةُ يَقُولُ فِي ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ وَلَكِنَّهُمْ بَرَزُوا لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَلَا يَسْتَتِرُونَ بِحَبْلٍ وَلَا مَدَرٍ . وَقَوْلُهُ : لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ يَعْنِي بِذَلِكَ : يَقُولُ الرَّبُّ : لِمَنِ الْمَلِكُ الْيَوْمَ ، وَتَرَكَ ذِكْرَ يَقُولُ اسْتِغْنَاءً بِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ . وَقَوْلُهُ : لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ وَقَدْ ذَكَرْنَا الرِّوَايَةَ الْوَارِدَةَ بِذَلِكَ فِيمَا مَضَى قَبْلُ .
وَمَعْنَى الْكَلَامِ : يَقُولُ الرَّبُّ : لِمَنِ السُّلْطَانُ الْيَوْمَ ؟ وَذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَيُجِيبُ نَفْسَهُ فَيَقُولُ : لِلَّهِ الْوَاحِدِ الَّذِي لَا مِثْلَ لَهُ وَلَا شَبِيهَ ( الْقَهَّارِ ) لِكُلِّ شَيْءٍ سِوَاهُ بِقُدْرَتِهِ ، الْغَالِبِ بِعِزَّتِهِ .