الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا . . . "
) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : فَأَرْسَلْنَا عَلَى عَادٍ رِيحًا صَرْصَرًا . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الصَّرْصَرِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : عَنَى بِذَلِكَ أَنَّهَا رِيحٌ شَدِيدَةٌ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ .
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ رِيحًا صَرْصَرًا قَالَ : شَدِيدَةً . حَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ رِيحًا صَرْصَرًا شَدِيدَةَ السَّمُومِ عَلَيْهِمْ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عَنَى بِهَا أَنَّهَا بَارِدَةٌ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا قَالَ : الصَّرْصَرُ : الْبَارِدَةُ . حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، فِي قَوْلِهِ : رِيحًا صَرْصَرًا قَالَ : بَارِدَةً . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ رِيحًا صَرْصَرًا قَالَ : بَارِدَةً ذَاتَ الصَّوْتِ .
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ يَقُولُ : ثَنَا عُبَيْدٌ قَالَ : سَمِعْتُ . الضَّحَّاكَ يَقُولُ ، فِي قَوْلِهِ : رِيحًا صَرْصَرًا يَقُولُ : رِيحًا فِيهَا بَرْدٌ شَدِيدٌ . وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مُجَاهِدٍ ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ : ( صَرْصَرًا ) إِنَّمَا هُوَ صَوْتُ الرِّيحِ إِذَا هَبَّتْ بِشِدَّةٍ ، فَسَمِعَ لَهَا كَقَوْلِ الْقَائِلِ : صَرَرٌ ، ثُمَّ جَعَلَ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ التَّضْعِيفِ الَّذِي فِي الرَّاءِ ، فَقَالَ ثُمَّ أُبْدِلَتْ إِحْدَى الرَّاءَاتِ صَادًا لِكَثْرَةِ الرَّاءَاتِ ، كَمَا قِيلَ فِي رَدَّدَهُ : رَدْرَدْهُ ، وَفِي نَهَّهَهُ : نَهْنَهَهُ ، كَمَا قَالَ رُؤْبَةُ ؟ فَالْيَوْمَ قَدْ تَنَهْنُهِي وَأَوَّلُ حِلْمٍ لَيْسَ بِالْمُسَفَّهِ وَكَمَا قِيلَ فِي كَفَّفَهُ : كَفْكَفَهُ ، كَمَا قَالَ النَّابِغَةُ ؟ أُكَفْكِفُ عَبْرَةً غَلَبَتْ عُدَاتِي إِذَا نَهْنَهْتُهَا عَادَتْ ذُبَاحًا وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ النَّهْرَ الَّذِي يُسَمَّى صَرْصَرًا ، إِنَّمَا سُمِّيَ بِذَلِكَ لِصَوْتِ الْمَاءِ الْجَارِي فِيهِ ، وَإِنَّهُ فَعْلَلٌ مِنْ صُرَرِ نَظِيرِ الرِّيحِ الصَّرْصَرِ .
وَقَوْلُهُ : فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ النَّحِسَاتِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : عَنَى بِهَا الْمُتَتَابِعَاتِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ قَالَ : أَيَّامٌ مُتَتَابِعَاتٌ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِنَّ الْعَذَابَ . وَقَالَ آخَرُونَ : عَنَى بِذَلِكَ الْمَشَائِيمَ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ : أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ قَالَ : مَشَائِيمَ . حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ أَيَّامٌ وَاللَّهِ كَانَتْ مَشْئُومَاتٍ عَلَى الْقَوْمِ . حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : النَّحِسَاتُ : الْمَشْئُومَاتُ النُّكْدَاتُ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ قَالَ : أَيَّامٍ مَشْئُومَاتٍ عَلَيْهِمْ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : أَيَّامٍ ذَاتِ شَرٍّ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ قَوْلَهُ : أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ قَالَ : النَّحْسُ : الشَّرُّ؛ أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ رِيحَ شَرٍّ لَيْسَ فِيهَا مِنَ الْخَيْرِ شَيْءٌ .
وَقَالَ آخَرُونَ : النَّحِسَاتُ : الشِّدَادُ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ يَقُولُ : ثَنَا عُبَيْدٌ قَالَ : سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ قَالَ : شِدَادٍ . وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ عَنَى بِهَا : أَيَّامٍ مَشَائِيمَ ذَاتِ نُحُوسٍ ، لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ مَعْنَى النَّحْسِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ .
وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ غَيْرَ نَافِعٍ وَأَبِي عَمْرٍو فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ بِكَسْرِ الْحَاءِ ، وَقَرَأَهُ نَافِعٌ وَأَبُو عَمْرٍو : نَحْسَاتٍ بِسُكُونِ الْحَاءِ . وَكَانَ أَبُو عَمْرٍو فِيمَا ذَكَرَ لَنَا عَنْهُ يَحْتَجُّ لِتَسْكِينِهِ الْحَاءَ بِقَوْلِهِ : يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ وَأَنَّ الْحَاءَ فِيهِ سَاكِنَةٌ . وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ : إِنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ ، قَدْ قَرَأَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا قُرَّاءٌ عُلَمَاءُ مَعَ اتِّفَاقِ مَعْنَيَيْهِمَا ، وَذَلِكَ أَنَّ تَحْرِيكَ الْحَاءِ وَتَسْكِينَهَا فِي ذَلِكَ لُغَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ ، يُقَالُ هَذَا يَوْمٌ نَحْسٌ ، وَيَوْمٌ نَحِسٌ ، بِكَسْرِ الْحَاءِ وَسُكُونِهَا؛ قَالَ الْفَرَّاءُ : أَنْشَدَنِي بَعْضُ الْعَرَبِ ؟ أَبْلِغْ جُذَامًا وَلَخْمًا أَنَّ إِخْوَتَهُمْ طَيَّا وَبَهْرَاءَ قَوْمٌ نَصْرُهُمْ نَحِسُ وَأَمَّا مِنَ السُّكُونِ فَقَوْلُ اللَّهِ يَوْمِ نَحْسٍ ؛ مِنْهُ قَوْلُ الرَّاجِزِ ؟ يَوْمَيْنِ غَيْمَيْنِ وَيَوْمًا شَمْسًا نَجْمَيْنِ بِالسَّعْدِ وَنَجْمًا نَحْسًا فَمَنْ كَانَ فِي لُغَتِهِ : يَوْمٌ نَحْسٌ قَالَ : فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ وَمَنْ كَانَ فِي لُغَتِهِ : يَوْمِ نَحْسٍ قَالَ : فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ : النَّحْسُ بِسُكُونِ الْحَاءِ : هُوَ الشُّؤْمُ نَفْسُهُ ، وَإِنَّ إِضَافَةَ الْيَوْمِ إِلَى النَّحْسِ ، إِنَّمَا هُوَ إِضَافَةٌ إِلَى الشُّؤْمِ ، وَإِنَّ النَّحِسَ بِكَسْرِ الْحَاءِ نَعْتٌ لِلْيَوْمِ بِأَنَّهُ مَشْئُومٌ ، وَلِذَلِكَ قِيلَ : فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِأَنَّهَا أَيَّامٌ مَشَائِيمُ .
وَقَوْلُهُ : لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا يَقُولُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : وَلَعَذَابُنَا إِيَّاهُمْ فِي الْآخِرَةِ أَخْزَى لَهُمْ وَأَشَدُّ إِهَانَةً وَإِذْلَالًا . يَقُولُ : وَهُمْ يَعْنِي عَادًا لَا يَنْصُرُهُمْ مِنَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا عَذَّبَهُمْ نَاصِرٌ ، فَيُنْقِذُهُمْ مِنْهُ ، أَوْ يَنْتَصِرُ لَهُمْ .